كتاب: مقدمة في أصول التفسير

ملخص عن كتاب:  مقدمة في أصول التفسير

التصنيف الفرعي للكتاب: أصول التفسير 

المؤلفون : تقي الدين ابن تيمية

أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الخضر النميري الحراني الدمشقي الحنبلي، أبو العباس، تقي الدين ابن تيمية الإمام، شيخ الإسلام. ولد في حران سنة (661 هـ) وتحول به أبوه إلى دمشق فنبغ واشتهر. وطلب إلى مصر من أجل فتوى أفتى بها، فقصدها، فتعصب عليه جماعة من أهلها فسجن مدة، ونقل إلى الإسكندرية. ثم أطلق فسافر إلى دمشق سنة 712 ه، واعتقل بها سنة 720 وأطلق، ثم أعيد، ومات معتقلا بقلعة دمشق سنة (728 هـ) فخرجت دمشق كلها في جنازته.

كتاب: مقدمة في أصول التفسير

المقدمة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

رَبِّ يَسِّرْ وَأَعِنْ بِرَحْمَتِكَ

الحَمْدُ للهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا. مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمًّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً.

أمَّا بَعْدُ، فَقَدْ سَأَلَنِي بَعْضُ الإِخْوَانِ أَنْ أَكْتُبَ لَهُ “مُقَدِّمَةً” تَتَضَمَّنُ قَوَاعِدَ كُلِّيَةً تُعِينُ عَلَى فَهْمِ الْقُرْآنِ، وَمَعْرِفَةِ تَفْسِيرِهِ وَمَعَانِيهِ، وَالتَّمْيِيزِ -فِي مَنْقُولِ ذَلِكَ وَمَعْقُولِهِ- بَيْنَ الحَقِّ وَأَنْوَاعِ الأَبَاطِيلِ، وَالتَّنْبِيهِ عَلَى الدَّلِيلِ الْفَاصِلِ بَيْنَ الأَقَاوِيلِ، فَإِنَّ الكُتُبَ المُصَنَّفَةَ فِي التَّفْسِيرِ مَشْحُونَةٌ بَالْغَثِّ وَالسَّمِينِ، وَالْبَاطِلِ الْوَاضِحِ وَالْحَقِّ المُبِينِ. وَالْعِلْمُ إِمَّا نَقْلٌ مُصَدَّقٌ عَنْ مَعْصُومٍ، وَإِمَّا قَوْلٌ عَلَيْهِ دَلِيلٌ مَعْلُومٌ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَإِمَّا مُزَيَّفٌ مَرْدُودٌ، وَإِمَّا مَوْقُوفٌ لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ بَهْرَجٌ وَلَا مَنْقُودٌ.

وَحَاجَةُ الأُمَّةِ مَاسَّةٌ إِلَى فَهْمِ القُرْآنِ الَّذِي هُوَ: “حَبْلُ اللهِ المَتِينُ، وَالذِّكْرُ الْحَكِيمُ، وَالصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ، الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الأَهْوَاءُ، وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الأَلْسُنُ، وَلَا يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَدِّ، وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ العُلَمَاءُ. مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَمَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللهُ، وَمَنِ ابْتَغَى الهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللهُ”.

قَالَ تَعَالَى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لَمْ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى} [طه: 123-126]، وَقَالَ تَعَالَى: {الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1) اللهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} [إبراهيم: 1، 2]، وَقَالَ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الأُمُورُ} [الشورى: 52، 53].

وَقَدْ كَتَبْتُ هَذِهِ “المُقَدِّمَةَ” مُخْتَصَرَةً، بِحَسَبِ تَيْسِيرِ اللهِ تَعَالَى، مِنْ إِمْلاءِ الفُؤَادِ، وَاللهُ الهَادِي إِلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ.

فَصْلُ: [فِي أنَّ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم بيِّنَ لأَصْحَابِهِ مَعَانِيَ القُرْآنِ]

يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَيَّنَ لأَصْحَابِهِ مَعَانِيَ القُرْآنِ، كَمَا بَيَّنَ لَهُمْ أَلْفَاظَهُ؛ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] يَتَنَاوَلُ هَذَا وَهَذَا.

وَقَدْ قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ: حَدَّثَنَا الَّذِينَ كَانُوا يُقْرِئُونَنَا القُرْآنَ، كَـ: عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ، وَعَبْدَ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ، وَغَيْرِهِمَا: (أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا تَعَلَّمُوا مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَشْرَ آيَاتٍ لَمْ يُجَاوِزُوهَا حَتَّى يَتَعَلَّمُوا مَا فِيهَا مِنَ العِلْمِ، وَالعَمَلِ؛ قَالُوا: فَتَعَلَّمْنَا القُرْآنَ وَالعِلْمَ وَالعَمَلَ جَمِيعاً)؛ وَلِهَذَا كَانُوا يَبْقَونَ مُدَّةً فِي حِفْظِ السُّورَةِ.

وَقَالَ أَنَسٌ: (كَانَ الرَّجُلُ إِذَا قَرَأَ “البَقَرَةَ” وَ”آلَ عِمْرَانَ” جَلَّ فِي أَعْيُنِنَا).

وَأَقَامَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى حِفْظِ “البَقَرَةِ” عِدَّةَ سِنِينَ، قِيلَ ثَمَانِيَ سِنِينَ، ذَكَرَهُ مَالِكٌ.

وَذَلِكَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} [ص: 29]، وَقَالَ: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} [النساء: 82]، وَقَالَ: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ} [النساء: 82]، وَقَالَ: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ} [المؤمنون: 68]؛ وَتَدَبُّرُ الكَلَامِ بِدُونِ فَهْمِ مَعَانِيهِ لَا يُمْكِنُ!

وَكَذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 2]؛ وَعَقْلُ الْكَلَامِ مُتَضَمِّنٌ لِفَهْمِهِ.

وَمِنَ المَعْلُومِ أَنَّ كُلَّ كَلَامٍ فَالمَقْصُودُ مِنْهُ فَهْمُ مَعَانِيهِ دُونَ مُجَرَّدِ أَلْفَاظِهِ، فَـ “القُرْآنُ” أَوْلَى بِذَلِكَ.

وَأَيْضاً فَالعَادَةُ تَمْنَعُ أَنْ يَقْرَأَ قَوْمٌ كِتَاباً فِي فَنٍّ مِنَ العِلْمِ، كَـ “الطِّبُّ”، وَ”الحِسَابِ”. وَلَا يَسْتَشْرِحُوهُ؛ فَكَيْفَ “بِكَلَامِ اللهِ” تَعَالَى الَّذِي هُوَ عِصْمَتُهُمْ، وَبِهِ نَجَاتُهُمْ وَسَعَادَتُهُمْ، وَقِيَامُ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ.

وَلِهَذَا كَانَ النِّزَاعُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فِي “تَفْسِيرِ القُرْآنِ” قَلِيلاً جِدّاً، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ فِي التَّابِعِينَ أَكْثَرَ مِنْهُ فِي الصَّحَابَةِ. فَهُوَ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ. وَكُلَّمَا كَانَ العَصْرُ أَشْرَفَ كَانَ الاجْتِمَاعُ وَالائْتِلَافُ وَالعِلْمُ وَالبَيَانُ فِيهِ أَكْثَرَ.

وَمِنَ التَّابِعِينَ مَنْ تَلَقَّى جَمِيعَ التَّفْسِيرِ عَنْ الصَّحَابَةِ. كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ: (عَرَضْتُ “المُصْحَفَ” عَلَى ابْنِ عَبَّاسِ، أُوقِفُهُ عِنْدَ كُلِّ آيَةِ مِنْهُ وَأَسْأَلُهُ عَنْهَا).

وَلِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ: (إِذَا جَاءَكَ التَّفْسِيرُ عَنْ مُجَاهِدٍ فَحَسْبُكَ بِهِ).

وَلِهَذَا يَعْتَمِدُ عَلَى تَفْسِيرِهِ: الشَّافِعِيُّ، وَالبُخَارِيُّ، وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَهْل العِلْمِ.

وَكَذَلِكَ الإِمَامُ أَحْمَدُ، وَغَيْرُهُ مِمَّنْ صَنَّفَ فِي “التَّفْسِيرِ”، يُكَرِّرُ الطُّرُقَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ.

وَالمَقْصُودُ أَنَّ التَّابِعِينَ تَلَقَّوُا التَّفْسِيرَ عَنْ الصَّحَابَةِ. كَمَا تَلَقَّوا عَنْهُمْ “عِلْمَ السُّنَةِ”؛ وَإِنْ كَانُوا قَدْ يَتَكَلَّمُونَ فِي بَعْضِ ذَلِكَ بِالاسْتِنْبَاطِ وَالاسْتِدْلَالِ، كَمَا يَتَكَلَّمُونَ فِي بَعْضِ السُّنَنِ بِالاسْتِنْبَاِط وَالاسْتِدْلَالِ.

فَصْلٌ: [فِي اخْتِلَافِ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ، وَأَنَّهُ اخْتِلَافُ تَنَوُّعٍ]

الخِلَافُ بَيْنَ السَّلَفِ فِي التَّفْسِيرِ قَلِيلٌ، وَخِلَافُهُمْ فِي الأَحْكَامِ أَكْثَرُ مِنْ خِلَافِهِمْ فِي التَّفْسِيرِ. وَغَالِبُ مَا يَصِحُّ عَنْهُمْ مِنَ الخِلَافِ يَرْجِعُ إِلَى “اخْتِلَافِ تَنَوُّعٍ” لَا”اخْتِلَافِ تَضَادٍّ”؛ وَذَلِكَ صِنْفَانِ؛

أَحَدُهُمَا: أَنْ يُعَبِّرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ المُرَادِ بِعِبَارَةٍ غَيْرِ عِبَارَةِ صَاحِبِهِ، تَدُلُّ عَلَى مَعْنًى فِي المُسَمَّى غَيْرِ المَعْنَى الآخَرِ، مَعَ اتِّحَادِ المُسَمَّى، بِمَنْزِلَةِ الأَسْمَاءِ المُتَكَافِئَةِ الَّتِي بَيْنَ المُتَرَادِفَةِ وَالمُتَبَايِنَةِ، كَمَا قِيلَ فِي اسْمِ السَّيْفِ: “الصَّارِمُ” وَ”المُهَنَّدُ”. وَذَلِكَ مِثْلُ أَسْمَاءِ اللهِ الحُسْنَى، وَأَسْمَاءِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَسْمَاءِ القُرْآنِ؛ فَإِنَّ أَسْمَاءَ اللهِ كُلَّهَا تَدُلُّ عَلَى مُسَمًّى وَاحِدٍ، فَلَيْسَ دُعَاؤُهُ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ الحُسْنَى مُضَادّاً لِدُعَائِهِ بِاسْمٍ آخَرَ؛ بَلْ الأَمْرُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوْ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الإسراء: 110]، وَكُلُّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ يَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ المُسَمَّاةِ وَعَلَى الصِّفَةِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا الاسْمُ؛ كَـ: “الْعَلِيمِ”، يَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ وَالْعِلْمِ، وَ”الْقَدِيرِ”، يَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ وَالقُدْرَةِ، وَ”الرَّحِيمِ” يَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ وَالرَّحْمَةِ.

وَمَنْ أَنْكَرَ دِلَالَةَ أَسْمَائِهِ عَلَى صِفَاتِهِ مِمَّنْ يَدَّعِي الظَّاهِرَ، فَقَوْلُهُ مِنْ جِنْسِ قَوْلِ غُلَاةِ البَاطِنِيَّةِ “الْقَرَامِطَةِ” الَّذِينَ يَقُولُونَ: ( لَا يُقَالُ هُوَ حَيٌّ وَلَا لَيْسَ بِحَيٍّ)؛ بَلْ يَنْفُونَ عَنْهُ النَّقِيضَيْنِ؛ فَإِنَّ أُولَئِكَ “القَرَامِطَةَ البَاطِنِيَّةَ” لَا يُنْكِرُونَ اسْماً هُوَ عَلَمٌ مَحْضٌ كَالمُضْمَرَاتِ، وَإِنَّمَا يُنْكِرُونَ مَا فِي أَسْمَائِهِ الحُسْنَى مِنْ صِفَاتِ الإِثْبَاتِ، فَمَنْ وَافَقَهُمْ عَلَى مَقْصُودِهِمْ كَانَ مَعَ دَعْوَاهُ الغُلُوَّ فِي الظَّاهِرِ مُوَافِقاً لِغُلَاةِ البَاطِنِيَّةِ فِي ذَلِكَ وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِ ذَلِكَ.

وَإِنَّمَا المَقْصُودُ: أَنَّ كُلَّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ يَدُلُّ عَلَى ذَاتِهِ وَعَلَى مَا فِي الاسْمِ من صفاته، وَيَدُلُّ أَيْضاً عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي في الاسْمِ الآخَرِ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ.

وَكَذِلِكَ أَسْمَاءُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، مِثْلُ: “مُحَمَّدٍ”، وَ”أَحْمَدَ”، وَ”المَاحِي”، وَ”الحَاشِرِ”، وَ”العَاقِبِ”.

وَكَذَلِكَ أَسْمَاءُ القُرْآنِ؛ مِثْلُ: “القُرْآنِ”، وَ”الفُرْقَانِ”، وَ”الهُدَى”، وَ”الشِّفَاءِ”، وَ”البَيَانِ”، وَ”الكِتَابِ”، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.

فَإِنْ كَانَ مَقْصُودُ السَّائِلِ تَعْيينَ المُسَمَّى، عَبَّرْنَا عَنْهُ بِأَيِّ اسْمٍ كَانَ إِذَا عُرِفَ مُسَمَّى هَذَا الاسْمِ. وَقَدْ يَكُونُ الاسْمُ عَلَماً، وَقَدْ يَكُونُ صِفَةً؛ كَمَنْ يَسْأَلُ عَنْ قَوْلِهِ: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي} [طه: 124]. مَا ذِكْرُهُ؟ فَيُقَالُ لَهُ: هُوَ “القُرْآنُ”، مَثَلاً، أَوْ: مَا أَنْزَلَهُ مِنَ الكُتُبِ؛ فَإِنَّ “الذِّكْرَ” مَصْدَرٌ، وَالمَصْدَرُ تَارَةً يُضَافُ إِلَى الفَاعِلِ. وَتَارَةً إِلَى المَفْعُولِ. فَإِذَا قِيلَ: ذِكْرُ اللهِ، بِالمَعْنَى الثَّانِي، كَانَ مَا يُذْكَرُ بِهِ؛ مِثْلُ قَوْلِ العَبْدِ: “سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ للهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ”. وَإِذَا قِيلَ بِالمَعْنَى الأَوَّلِ، كَانَ مَا يَذْكُرُهُ هُوَ، وَهُوَ كَلَامُهُ. وَهَذَا هُوَ المُرَادُ فِي قَوْلِهِ: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي} [طه: 124]؛ لأَنَّهُ قَالَ قَبْلَ ذَلِكَ: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى} [طه: 123]. وَهُدَاهُ: هُوَ مَا أَنْزَلَهُ مِنَ الذِّكْرِ، وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: {قَالَ رَبِّ لَمْ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا} [طه: 125، 126].

وَالمَقْصُودُ: أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ الذِّكْرَ هُوَ كَلَامُهُ المُنَزَّلُ، أَوْ هُوَ ذِكْرُ العَبْدِ لَهُ؛ فَسَوَاءٌ قِيلَ: ذِكْرِي: كِتَابِي، أَوْ كَلَامِي، أَوْ هُدَايَ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ المُسَمَّى وَاحِدٌ.

وَإِنْ كَانَ مَقْصُودُ السَّائِلِ مَعْرِفَةَ مَا فِي الاسْمِ مِنَ الصِّفَةِ المُخْتَصَّةِ بِهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ قَدْرٍ زَائِدٍ عَلَى تَعْيِينِ المُسَمَّى؛ مِثْلُ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ: {الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ} [الحشر: 23]. وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ اللهُ، لَكِنْ مُرَادَهُ: مَا مَعْنَى كَوْنِهِ قُدُّوساً سَلَاماً، مُؤْمِناً؟ وَنَحْوَ ذَلِكَ.

إِذَا عُرِفَ هَذا، فَالسَّلَفُ كَثِيراً مَا يُعَبِّرُونَ عَنْ المُسَمَّى بِعِبَارَةٍ تَدُلُّ عَلَى عَيْنِهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الصِّفَةِ مَا لَيْسَ فِي الاسْمِ الآخِرِ؛ كَمَنْ يَقُولُ: أَحْمَدُ هُوَ: الحَاشِرُ، وَالمَاحِي، وَالعَاقِبُ. وَالقُدُّوسُ: هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، أَيْ أَنَّ المُسَمَّى وَاحِدٌ، لَا أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ هِيَ هَذِهِ!

وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَيْسَ اخْتِلَافَ تَضَاٍّد كَمَا يَظُنُّهُ بَعْضُ النَّاسِ؛ مِثَالُ ذَلِكَ: تَفْسِيرُهُمْ لِلصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ: “القُرْآنُ”، أَي اتِّبَاعُهُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، -فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، ورَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ- “هُوَ حَبْلُ اللهِ المَتِينُ، وَالذِّكْرُ الحَكِيمُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ”، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الإِسْلَامُ؛ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم – فِي حَدِيثِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ – الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ-: “ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً: صِرَاطاً مُسْتَقِيماً، وَعَلَى جَنْبَتَي الصِّرَاطِ سُورَانِ، وَفِي السُّوَريْنِ أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وَعَلَى الأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ، وَدَاعٍ يَدْعُو مِنْ فَوْقِ الصِّرَاطِ، وَدَاعٍ يَدْعُو عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ. قَالَ: فَالصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ هُوَ الإِسْلَامُ، وَالسُّورَانِ حُدُودُ اللهِ، وَالأَبْوَابُ المُفَتَّحَةُ مَحَارِمُ اللهِ، وَالدَّاعِي عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ: كِتَابُ اللهِ، وَالدَّاعِي فَوْقَ الصِّرَاطِ: وَاعِظُ اللهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ”.

فَهَذَانِ القَوْلَانِ مُتَّفِقَانِ؛ لأَنَّ دِينَ الإِسْلَامِ هُوَ اتِّبَاعُ “القُرْآنِ”، وَلَكِنْ كُلاً مِنْهُمَا نَبَّهَ عَلَى وَصْفٍ غَيْرِ الوَصْفِ الآخَرِ، كَمَا أَنَّ لَفْظَ: “صِرَاطٌ” يُشْعِرُ بِوَصْفٍ ثَالِثٍ. وَكَذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: هُوَ: “السُّنَّةُ وَالجَمَاعَةُ”، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: هُوَ: “طَرِيقُ العُبُودِيَّةِ”، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: هُوَ: “طَاعَةُ اللهِ وَرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم”، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ.

فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ أَشَارُوا إِلَى ذَاتٍ وَاحِدَةٍ، لَكِنْ وَصَفَهَا كُلٌّ مِنْهُمْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهَا.

الصِّنْفُ الثَّانِي: أَنْ يَذْكَرَ كُلٌّ مِنْهُمْ مِنَ الاسْمِ العَامِّ بَعْضَ أَنْوَاعِهِ، عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ وَتَنْبِيهِ المُسْتَمِعِ عَلَى النَّوْعِ، لَا عَلَى سَبِيلِ الحَدِّ المُطَابِقِ للمَحْدُودِ فِي عُمُومِهِ وَخُصُوصِهِ. مِثْلُ سَائِلٍ أَعْجَمِيٍّ سَأَلَ عَنْ مُسَمَّى لَفْظِ “الخُبْزِ” فَأُرِيَ رَغِيفاً، وَقِيلَ لَهُ: هَذَا؛ فَالإِشَارَةُ إِلَى نَوْعِ هَذَا، لَا إِلَى هَذَا الرَّغِيفِ وَحْدَهُ.

مِثَالُ ذَلِكَ: مَا نُقِلَ فِي قَوْلِهِ: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} [فاطر: 32] فَمَعْلُومٌ أَنَّ الظَّالِمَ لِنَفْسِهِ يَتَنَاوَلُ المُضِيعَ لِلوَاجِبَاتِ، وَالمُنْتَهِكَ لِلحُرُمَاتِ. وَالمُقْتَصِدُ يَتَنَاوَلُ فَاعِلَ الوَاجِبَاتِ، وَتَارِكَ المُحَرَّمَاتِ. وَالسَّابِقُ يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ سَبَقَ فَتَقَرَّبَ بِالحَسَنَاتِ مَعَ الوَاجِبَاتِ. فَالمُقْتَصِدُونَ هُمْ أَصْحَابُ اليَمِينِ، {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} [الواقعة: 10-11].

ثُمَّ إِنَّ كُلّاً مِنْهُمْ يَذْكُرُ هَذَا فِي نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ؛ كَقَوْلِ القَائِلِ: “السَّابِقُ”: الَّذِي يُصَلِّي فِي أَوَّلِ الوَقْتِ، وَ”المُقْتَصِدُ”: الَّذِي يُصَلِّي فِي أَثْنَائِهِ، وَ”الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ”: الَّذِي يُؤَخِّرُ العَصْرَ إِلَى الاصْفِرَارِ. أَوْ يَقُولُ: السَّابِقُ وَالمُقْتَصِدُ وَالظَّالِمُ قَدْ ذَكَرَهُمْ فِي آخِرِ “سُورَةِ البَقَرَةِ”؛ فَإِنَّهُ ذَكَرَ المُحْسِنَ بِالصَّدَقَةِ، وَالظَّالِمَ بِأَكْلِ الرِّبَا، وَالعَادِلَ بِالبَيْعِ. وَالنَّاسُ فِي الأَمْوَالِ، إِمَّا مُحْسِنٌ، وَإِمَّا عَادِلٌ، وَإِمَّا ظَالِمٌ؛ “فَالسَّابِقُ”: المُحْسِنُ بِأَدَاءِ المُسْتَحَبَّاتِ مَعَ الوَاجِبَاتِ، وَ”الظَّالِمُ”: آكِلُ الرِّبَا،َ ْأو مَانِعُ الزَّكَاةِ، وَ”المُقْتَصِدُ”: الَّذِي يُؤَدِّي الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ وَلَا يَأْكُلُ الرِّبَا. وَأَمْثَالَ هَذِهِ الأَقَاوِيلِ.

فَكُلُّ قَوْلٍ: فِيهِ ذِكْرُ نَوْعٍ دَاخِلٌ فِي الآيَةِ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ لِتَعْرِيفِ المُسْتَمِعِ بِتَنَاوُلِ الآيَةِ لَهُ، وَتَنْبِيهِهِ عَلَى نَظِيرِهِ؛ فَإِنَّ التَّعْرِيفَ بِالمِثَالِ قَدْ يُسَهِّلُ أَكْثَرَ مِنَ التَّعْرِيفِ بِالحَدِّ المُطَابِقِ. وَالعَقْلُ السَّلِيمُ يَتَفَطَّنُ لِلنَّوْعِ كَمَا يَتَفَطَّنُ إِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى رَغِيفٍ فَقِيلَ لَهُ: هَذَا هُوَ الخُبْزُ.

وَقَدْ يَجِيءُ كَثِيراً مِنْ هَذَا البَابِ قَوْلُهُمْ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ فِي كَذَا؛ لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ المَذْكُورُ شَخْصاً، كَأَسْبَابِ النُّزُولِ المَذْكُورَةِ فِي التَّفْسِيرِ؛ كَقَوْلِهِمْ: إِنَّ “آيَةَ الظِّهَارِ” نَزَلَتْ فِي امْرَأَةِ أَوْسِ بنِ الصَّامِتِ، وَإِنَّ “آيَةَ اللِّعَانِ” نَزَلَتْ فِي عُوَيْمِرٍ الْعَجْلَانِيِّ، أَوْ هِلَالِ بنِ أُمَيَّةَ. وَإِنَّ “آيَةَ الكَلَالَةِ” نَزَلَتْ فِي جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ. وَإِنَّ قَوْلَهُ: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ} [المائدة: 49] نَزَلَتْ فِي: “بَنِي قُرَيْظَةَ” وَ”النَّضِيرِ”. وَإِنَّ قَوْلَهُ: {وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} [الأنفال: 16] نَزَلَتْ فِي “بَدْرٍ”. وَإِنَّ قَوْلُهُ: {شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} [المائدة: 106] نَزَلَتْ فِي قَضِيَّةِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، وَعَدِيِّ بْنِ بَدَّاءٍ. وَقَوْلِ أَبِي أَيُّوبَ: (إِنَّ قَوْلَهُ: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] نَزَلَتْ فِينَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ الحَدِيثُ).

وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرٌ مِمَّا يَذْكُرُونَ أَنَّهُ نَزَلَ فِي قَوْمِ مِنَ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ، أَوْ فِي قَوْمٍ مِنْ أَهْل الكِتَابِ؛ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، أَوْ فِي قَوْمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ.

فَالَّذِينَ قَالُوا لَمْ يَقْصِدُوا أَنَّ حُكْمَ الآيَةِ مُخْتَصٌّ بِأُولَئِكَ الأَعْيَانِ دُونَ غَيْرِهِمْ؛ فَإِنَّ هَذَا لَا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ، وَلَا عَاقِلٌ على الإِطْلَاقِ.

وَالنَّاسُ وَإِنْ تَنَازَعُوا فِي اللَفْظِ العَامِّ الوَارِدِ عَلَى سَبَبٍ، هَلْ يَخْتَصُّ بِسَبَبِهِ؟ فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ المُسْلِمِينَ إِنَّ عُمُومَاتِ “الكِتَابِ” وَ”السُّنَّةِ” تَخْتَصُّ بِالشَّخْصِ المُعَيَّنِ، وَإِنَّمَا غَايَةُ مَا يُقَالُ: إِنَّهَا تَخْتَصُّ بِنَوْعِ ذَلِكَ الشَّخْصِ، فَتَعُمُّ مَا يُشْبِهُهُ وَلَا يَكُونُ العُمُومُ فِيهَا بِحَسَبِ اللَّفْظِ. وَالآيَةُ الَّتِي لَهَا سَبَبٌ مُعَيَّنٌ إِنْ كَانَتْ “أَمْراً” أَوْ “نَهْياً” فَهِيَ مُتَنَاوِلَةٌ لِذَلِكَ الشَّخْصِ وَلِغَيْرِهِ مِمَّنْ كَانَ بِمَنْزِلَتِهِ، وَإِنْ كَانَتْ “خَبَراً” بِمَدْحٍ أَوْ ذَمٍّ فَهِيَ مُتَنَاوِلَةٌ لِذَلِكَ الشَّخْصِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ كَانَ بِمَنْزِلَتِهِ أَيْضاً.

وَمَعْرِفَةُ سَبَبِ النُّزُولِ يُعِينُ عَلَى فَهْمِ الآيَةِ؛ فَإِنَّ العِلْمَ بِالسَّبَبِ يُورِثُ العِلْمَ بِالمُسَبَّبِ؛ وَلِهَذَا كَانَ أَصَحُّ قَوْلَي الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُعْرَفْ مَا نَوَاهُ الْحَالِفُ: رَجَعَ إِلَى سَبَبِ يَمِينِهِ، وَمَا هَيَّجَهَا وَأَثَارَهَا.

وَقَوْلُهُمْ: “نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي كَذَا” يُرَادُ بِهِ تَارَةً أَنَّهُ سَبَبُ النُّزُولِ، وَيُرَادُ بِهِ تَارَةً أَنَّ هَذَا دَاخِلٌ فِي الآيَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ السَّبَبَ، كَمَا تَقُولُ: (عَنَىَ بِهَذِهِ الآيَةِ كَذَا).

وَقَدْ تَنَازَعَ العُلَمَاءُ فِي قَوْلِ الصَّاحِبِ: “نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي كَذَا” هَلْ يَجْرِي مَجْرَى “المُسْنَدِ” -كَمَا يُذْكَرُ السَّبَبُ الَّذِي أُنْزِلَتْ لأَجْلِهِ- أَوْ يَجْرِي مَجْرَى التَّفْسِيرِ مِنْهُ الَّذِي لَيْسَ بِـ “مُسْنَدٍ”؟

فَالبُخَارِيُّ يُدْخِلُهُ فِي “المُسْنَدِ”، وَغَيْرُهُ لَا يُدْخِلُهُ فِي “المُسْنَدِ”. وَأَكْثَرُ “المَسَانِيدِ” عَلَى هَذَا الاصْطِلَاحِ؛ كَـ “مُسْنَدِ أَحْمَدَ” وَغَيْرِهِ. بِخِلَافِ مَا إِذَا ذَكَرَ سَبَباً نَزَلَتْ عَقِبَهُ. فَإِنَّهُمْ كُلَّهُمْ يُدْخِلُونَ مِثْلَ هَذَا فِي “المُسْنَدِ”.

وَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَقَوْلُ أَحَدِهِمْ: (نَزَلَتْ فِي كَذَا). لَا يُنَافِي قَوْلَ الآخَرِ: (نَزَلَتْ فِي كَذَا)؛ إِذَا كَانَ اللَّفْظُ يَتَنَاوَلُهُمَا، كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي التَّفْسِيرِ بِالمِثَالِ!!

وَإِذَا ذَكَرَ أَحَدُهُمْ لَهَا سَبَباً نَزَلَتْ لأَجْلِهِ، وَذَكَرَ الآخَرُ سَبَباً، فَقَدْ يُمْكِنُ صِدْقُهُمَا بِأَنْ تَكُونَ نَزَلَتْ عَقِبَ تِلْكَ الأَسْبَابِ، أَوْ تَكُونَ نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ؛ مَرَّةً لِهَذَا السَّبَبِ، وَمَرَّةً لِهَذَا السَّبَبِ.

وَهَذَانِ الصِّنْفَانِ اللَّذَانِ ذَكَرْنَاهُمَا فِي تَنَوُّعِ التَّفْسِيرِ، تَارَةً لِتَنَوُّعِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَتارَةً لِذِكْرِ بَعْضِ أَنْوَاعِ المُسَمَّى وَأَقْسَامِهِ، كَالتَّمْثِيلاتِ، هُمَا الغَالِبُ فِي تَفْسِيرِ سَلَفِ الأُمَّةِ، الَّذِي يُظَنُّ أَنَّهُ مُخْتَلِفٌ.

وَمِنَ التَّنَازُعِ المَوْجُودِ عَنْهُمْ: مَا يَكُونُ اللَّفْظُ فِيهِ مُحْتَمِلاً لِلأَمْرَيْنِ؛ إِمَّا لِكَوْنِهِ مُشْتَرَكاً فِي اللُّغَةِ، كَلَفْظِ {قَسْوَرَةٍ} [المدثر: 51] الَّذِي يُرَادُ بِهِ الرَّامِي، وَيُرَادُ بِهِ الأَسَدُ. وَلَفْظُ {عَسْعَسَ} [التكوير: 17]، الَّذِي يُرَادُ بِهِ إِقْبَالُ اللَّيْلِ وَإِدْبَارُهُ.

وَإِمَّا لِكَوْنِهِ مُتَوَاطِئاً فِي الأَصْلِ، لَكِنَّ المُرَادَ بِهِ أَحَدُ النَّوْعَيْنِ، أَوْ أَحَدُ الشَّخْصَيْنِ؛ كَالضَّمَائِرِ فِي قَوْلِهِ: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} [النجم: 8-9]، وَكَلَفْظِ: {وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} [الفجر 1: 3]. وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.

فَمِثْلُ هَذَا قَدْ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ كُلُّ المَعَانِي الَّتِي قَالَهَا السَّلَفُ، وَقَدْ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ.

فَالأَوَّلُ إِمَّا لِكَوْنِ الآيَةِ نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ، فَأُرِيدَ بِهَا هَذَا تَارَةً، وَهَذَا تَارَةً. وَإِمَّا لِكَوْنِ اللَّفْظِ المُشْتَرَكِ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ مَعْنَيَاهُ؛ إِذْ قَدْ جَوَّزَ ذَلِكَ أَكْثَرُ الفُقَهَاءِ: “المَالِكِيَّةِ”، وَ”الشَّافِعِيَّةِ”، وَ”الحَنْبَلِيَّةِ”، وَكَثِيرٌ مِنْ “أَهْلِ الكَلَامِ”، وَإِمَّا لِكَوْنِ اللَّفْظِ مُتَوَاطِئاً، فَيَكُونُ عَامّاً إِذَا لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِهِ مُوجِبٌ. فَهَذَا النَّوْعُ إِذَا صَحَّ فِيهِ القَوْلَانِ كَانَ مِنْ الصِّنْفِ الثَّانِي.

وَمِنَ الأَقْوَالِ المَوْجُودَةِ عَنْهُمْ -وَيَجْعَلُهَا بَعْضُ النَّاسِ اخْتِلَافاً-: أَنْ يُعَبِّرُوا عَنْ المَعَانِي بِأَلْفَاظٍ مُتَقَارِبَةٍ لَا مُتَرَادِفَةٍ؛ فَإِنَّ التَّرَادُفَ فِي اللُّغَةِ قَلِيلٌ؛ وَأَمَّا فِي أَلْفَاظِ “القُرْآنِ” فَإِمَّا نَادِرٌ، وَإِمَّا مَعْدُومٌ، وَقَلَّ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْ لَفْظٍ وَاحِدٍ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ يُؤَدِّي جَمِيعَ مَعْنَاهُ، بَلْ يَكُونُ فِيهِ تَقْرِيبٌ لِمَعْنَاهُ. وَهَذَا مِنْ أَسْبَابِ إِعْجَازِ “القُرْآنِ”؛ فَإِذَا قَالَ القَائِلُ: {يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْراً} [الطور: 9] إِنَّ “المَوْرَ” هُوَ الحَرَكَةُ؛ كَانَ تَقْرِيباً، إِذْ المَوْرُ حَرَكَةٌ خَفِيفَةٌ سَرِيعَةٌ. وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ: “الْوَحْيُ”: الإِعْلَامُ، أَوْ قِيلَ: {أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} النساء: 163]: أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ، أَوْ قِيلَ: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الإسراء: 4]: أَيْ أَعْلَمَنْا، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ.

فَهَذَا كُلُّهُ تَقْرِيبٌ لَا تَحْقِيقٌ؛ فَإِنَّ “الْوَحْيَ” هُوَ إِعْلَامٌ سَرِيعٌ خَفِيٌّ، وَالْقَضَاءُ إِلَيْهِمْ أَخَصُّ مِنَ الإِعْلَامِ؛ فَإِنَّ فِيهِ إِنْزَالاً إِلَيْهِمْ وَإِيحَاءً إِلَيْهِمْ.

وَالْعَرَبُ تُضَمِّنُ الْفِعْلَ مَعْنَى الْفِعْلِ، وَتُعَدِّيهِ تَعْدِيَتَهُ. وَمِنْ هُنَا غَلِطَ مَنْ جَعَلَ بَعْضَ الْحُرُوفِ تَقُومُ مَقَامَ بَعْضٍ، كَمَا يَقُولُونَ فِي قَوْلِهِ: {لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ} [ص: 24] [أَيْ: مَعَ نِعَاجِهِ] وَ{مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ} [آل عمران: 52] أَيْ: مَعَ اللهِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ.

وَالتَّحْقِيقُ مَا قَالَهُ “نُحَاةُ الْبَصْرَةِ” مِنَ التَّضْمِينِ؛ فَسُؤَالُ النَّعْجَةِ يَتَضَمَّنُ جَمْعَهَا وَضَمَّهَا إِلَى نِعَاجِهِ، وَكَذِلَكَ قَوْلُهُ: {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ}[الإسراء: 73] ضُمِّنَ مَعْنَى “يُزِيغُونَكَ وَيَصُدُّونَكَ” وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} [الأنبياء: 77] ضُمِّنَ مَعْنَى “نَجَّيْنَاهُ وَخَلَّصْنَاهُ” وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} [الإنسان: 6] ضُمِّنَ “يُرْوَى بِهَا” وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ.

وَمَنْ قَالَ: {لاَ رَيْبَ} [البقرة: 2]: لَا شَكَّ، فَهَذَا تَقْرِيبٌ، وَإِلَّا فَالرَّيْبُ فِيهِ اضْطِرَابٌ وَحَرَكَةٌ، كَمَا قَالَ: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ». وَفِي الْحَدِيثِ: «أَنَّهُ مَرَّ بِظَبْيٍ حَاقِفٍ، فَقَالَ: لَا يُرِيبُهُ أَحَدٌ». فَكَمَا أَنَّ “الْيَقِينَ” ضُمِّنَ السُّكُونَ وَالطُّمَأْنِينَةَ، “فَالرَّيْبُ” ضِدُّهُ، ضُمِّنَ الاضْطِرَابَ وَالْحَرَكَةِ وَلَفْظُ “الشَّكِّ” وَإِنْ قِيلَ إِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ هَذَا المَعْنَى لَكِنَّ لَفْظَهُ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ.

وَكَذِلَكَ إِذَا قِيلَ: {ذَلِكَ الْكِتَابُ} [البقرة: 2]: هَذَا القُرْآنُ، فَهَذَا تَقْرِيبٌ؛ لأَنَّ المُشَارَ إِلَيْهِ وَإِنْ كَانَ وَاحِداً فَالإِشَارَةُ بِجِهَةِ الحُضُورِ غَيْرُ الإِشَارَةِ بِجِهَةِ البُعْدِ وَالغَيْبَةِ، وَلَفْظُ “الْكِتَابُ” يَتَضَمَّنُ مِنْ كَوْنِهِ مَكْتُوباً مَضْمُوماً مَا لَا يَتَضمَّنَهُ لَفْظُ القُرْآنِ مِنْ كَوْنِهِ مَقْرُوءاً مُظْهَراً بَادِياً. فَهَذِهِ الفُرُوقُ مَوْجُودَةٌ فِي “القُرْآنِ”.

فَإِذَا قَالَ أَحَدُهُمْ: {أَن تُبْسَلَ} [الأنعام: 70] أَيْ: تُحْبَسَ، وَقَالَ الآخَرُ: تُرْتَهَنَ، وَنَحْوُ ذَلِكَ؛ لَمْ يَكُنْ مِنِ اخْتِلَافِ التَّضَادِّ، وَإِنْ كَانَ المَحْبُوسُ قَدْ يَكُونُ مُرْتَهَناً، وَقَدْ لَا يَكُونُ؛ إِذْ هَذَا تَقْرِيبٌ لِلْمَعْنَى، كَمَا تَقَدَّمَ.

وَجَمْعُ عِبَارَاتِ السَّلَفِ فِي مِثْلِ هَذَا نَافِعٌ جِدّاً، فَإِنَّ مَجْمُوعَ عِبَارَاتِهِمْ أَدَلُّ عَلَى المَقْصُودِ مِنْ عِبَارَةٍ أَوْ عِبَارَتَيْنِ، وَمَعَ هَذَا فَلَا بُدَّ مِنِ اخْتِلَافٍ مُحَقَّقٍ بَيْنَهُمْ، كَمَا يُوجَدُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الأَحْكَامِ.

وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ عَامَّةَ مَا يُضْطَرُّ إِلَيْهِ عُمُومُ النَّاسِ مِنَ الاخْتِلَافِ مَعْلُومٌ، بَلْ مُتَوَاتِرٌ عِنْدَ العَامَّةِ أَوِ الخَاصَّةِ، كَمَا فِي عَدَدِ الصَّلَوَاتِ وَمَقَادِيرِ رُكُوعِهَا وَمَوَاقِيتِهَا، وَفَرَائِضِ الزَّكَاةِ وَنُصُبِهَا، وَتَعْيِينِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَالطَّوَافِ وَالوُقُوفِ وَرَمْيِ الْجِمَارِ وَالمَوَاقِيتِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.

ثُمَّ إِنَّ اخْتِلَافَ الصَّحَابَةِ فِي “الجَدِّ وَالإِخْوَةِ”، وَفِي “المُشْرَّكَةِ” وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لَا يُوجِبُ رَيْباً فِي جُمْهُورِ مَسَائِلِ الفَرَائِضِ، بَلْ فِيمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ عَامَّةُ النَّاسِ، وَهُوَ عَمُودُ النَّسَبِ مِنَ الآبَاءِ وَالأَبْنَاءِ، وَالكَلَالَةِ مِنَ الإِخْوَةِ وَالأَخَوَاتِ، وَمِنْ نِسَائِهِمْ كَالأَزْوَاجِ؛ فَإِنَّ اللهَ أَنْزَلَ فِي الفَرَائِصِ ثَلَاثَ آيَاتٍ مُفَصَّلَةٍ؛ ذَكَرَ فِي الأُولَى الأُصُولَ وَالفُرُوعَ، وَذَكَرَ فِي الثَّانِيَةِ الحَاشِيَةَ الَّتِي تَرِثُ بِالْفَرْضِ كَالزَّوْجَيْنِ وَوَلَدِ الأُمِّ، وَفِي الثَّالِثَةِ الحَاشِيَةَ الوَارِثَةَ بِالتَّعْصِيبِ، وَهُمُ الإِخْوَةُ لأَبَوَيْنِ أَوْ لأَبٍ. وَاجْتِمَاعُ الجَدِّ وَالإِخْوَةِ نَادِرٌ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَقَعْ فِي الإِسْلَامِ إِلَّا بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.

وَالاخْتِلَافُ قَدْ يَكُونُ لِخَفَاءِ الدَّلِيلِ وَالذُّهُولِ عَنْهُ، وَقَدْ يَكُونُ لِعَدَمِ سَمَاعِهِ، وَقَدْ يَكُونُ لِلغَلَطِ فِي فَهْمِ النَّصِّ، وَقَدْ يَكُونُ لاعْتِقَادِ مُعَارِضٍ رَاجِحٍ. فَالمَقْصُودُ هُنَا: التَّعْرِيفُ بِمُجْمَلِ الأَمْرِ دُونَ تَفَاصِيلِهِ.

فَصْلٌ: [فِي نَوْعَي الاخْتِلَافِ فِي التَّفْسِيرِالمُسْتَنِدِ إِلَى النَّقْلِ، وَإِلَى طُرُقِ الاسْتِدْلَالِ]

الاخْتِلَافُ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى نَوْعَيْنِ: مِنْهُ مَا مُسْتَنَدُهُ النَّقْلُ فَقَطْ، وَمِنْهُ مَا يُعْلَمُ بِغَيْرِ ذَلِكَ؛ إِذْ العِلْمُ إِمَّا نَقْلٌ مُصَدَّقٌ، وَإِمَّا اسْتِدْلَالٌ مُحَقَّقٌ. وَالمَنْقُولُ إِمَّا عَنْ المَعْصُومِ، وَإِمَّا عَنْ غَيْرِ المَعْصُومِ.

[النَّوْعُ الأوَّلُ: الخِلَافُ الوَاقِعُ فِي التَّفْسِيرِ مِنَ جِهَةِ النَّقْلِ]

وَالمَقْصُودُ بِأَنَّ جِنْسَ المَنْقُولِ سَوَاءٌ كَانَ عَنْ المَعْصُومِ أَوْ غَيْرِ المَعْصُومِ -وَهَذَا هُوَ الأَوَّلُ- فَمِنْهُ مَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ الصَّحِيحِ مِنْهُ وَالضَّعِيفِ، وَمِنْهُ مَا لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ فِيهِ.

وَهَذَا القِسْمُ الثَّانِي مِنَ المَنْقُولِ -وَهُوَ مَا لَا طَرِيقَ لَنَا إِلَى الْجَزْمِ بِالصِّدْقِ مِنْهُ- عَامَّتُهُ مِمَّا لَا فَائِدَةَ فِيهِ. وَالكَلامُ فِيهِ مِنْ فُضُولِ الكَلَامِ.

وَأَمَّا مَا يَحْتَاجُ المُسْلِمُونَ إِلَى مَعْرِفَتِهِ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى نَصَبَ عَلَى الحَقِّ فِيهِ دَلِيلاً.

فَمِثَالُ مَا لَا يُفِيدُ وَلَا دَلِيلَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْهُ: اخْتِلَافُهُمْ فِي لَوْنِ “كَلْبِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ”، وَفِي “البَعْضِ” الَّذِي ضَرَبَ بِهِ قَوْمُ مُوسَى مِنَ الْبَقَرَةِ، وَفِي مِقْدَارِ “سَفِينَةِ نُوحٍ” وَمَا كَانَ خَشَبُهَا، وَفِي اسْمِ “الغُلَامِ” الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.

فَهَذِهِ الأُمُورُ طَرِيقُ الْعِلْمِ بِهَا النَّقْلُ. فَمَا كَانَ مِنْ هَذَا مَنْقُولاً نَقْلاً “صَحِيحاً” عَنْ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، كَاسْمِ “صَاحِبِ مُوسَى”أَنَّهُ الْخَضِرُ، فَهَذَا مَعْلُومٌ.

وَمَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، بَلْ كَانَ مِمَّا يُؤْخَذُ عَنْ “أَهْلِ الكِتَابِ” -كَالمَنْقُولِ عَنْ كَعْبٍ، وَوَهْبٍ، وَمُحَمَّدٍ بْنِ إِسْحَاقَ، وَغَيْرِهِمْ، مِمَّنْ يَأْخُذُ عَنْ “أَهْلِ الكِتَابِ”- فَهَذَا لَا يَجُوزُ تَصْدِيقُهُ وَلَا تَكْذِيبُهُ إِلَّا بِحُجَّةٍ، كَمَا ثَبَتَ فِي “الصَّحِيحِ” عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: “إِذَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، فَإِمَّا أَنْ يُحَدِّثُوكُمْ بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوهُ، وَإِمَّا أَنْ يُحَدِّثُوكُمْ بِبَاطِلٍ فَتُصَدِّقُوهُ”.

وَكَذَلِكَ مَا نُقِلَ عَنْ “بَعْضِ التَّابِعِينَ” وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ أَخَذَهُ عَنْ “أَهْلِ الكِتَابِ”، فَمَتَى اخْتَلَفَ “التَّابِعُونَ” لَمْ يَكُنْ بَعْضُ أَقْوَالِهِمْ حُجَّةً عَلَى بَعْضٍ. مِمَّا نُقِلَ فِي ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ “الصَّحَابَةِ” نَقْلاً “صَحِيحاً” فَالنَّفْسُ إِلَيْهِ أَسْكَنُ مِمَّا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ “التَّابِعِينَ”؛ لأَنَّ احْتِمَالَ أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أَوْ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ مِنْهُ أَقْوَى؛ وَلأَنَّ نَقْلَ الصَّحَابَةِ عَنْ “أَهْلِ الكِتَابِ” أَقَلُّ مِنْ نَقْلِ “التَّابِعِينَ”، وَمَعَ جَزْمِ “الصَّحَابِيِّ” بِمَا يَقُولُهُ: كَيْفَ يُقَالُ إِنَّهُ أَخَذَهُ عَنْ “أَهْلِ الكِتَابِ”، وَقَدْ نُهُوا عَنْ تَصْدِيقِهِمْ؟

وَالمَقْصُودُ: أَنَّ مِثْلَ هَذَا الاخْتِلَافِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ صَحِيحُهُ، وَلَا يُفِيدُ حِكَايَةُ الأَقْوَالِ فِيهِ، هُوَ كَالمَعْرِفَةِ لَمَا يُرْوَى مِنَ الحَدِيثِ الَّذِي لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهِ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.

وَأَمَّا الْقِسْمُ الأَوَّلُ الَّذِي يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ “الصَّحِيحِ” مِنْهُ فَهَذَا مَوْجُودٌ فِيمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ وَللهِ الحَمْدُ، فَكَثِيراً مَا يُوجَدُ فِي: “التَّفْسِيرِ”، وَ”الحَدِيثِ”، وَ”المَغَازِي” أُمُورٌ مَنْقُولَةٌ عَنْ نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم، وَغَيْرِهِ مِنَ الأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ – وَالنَّقْلُ “الصَّحِيحُ” يَدْفَعُ ذَلِكَ- بَلْ هَذَا مَوْجُودٌ فِيمَا مُسْتَنَدُهُ النَّقْلُ، وَفِيمَا قَدْ يُعْرَفُ بِأُمُورٍ أَخْرَى غَيْرِ النَّقْلِ.

فَالمَقْصُودُ أَنَّ المَنْقُولَاتِ الَّتِي يُحْتَاجُ إِلَيْهَا فِي الدِّينِ قَدْ نَصَبَ اللهُ الأَدِلَّةَ عَلَى بَيَانِ مَا فِيهَا مِنْ “صَحِيحٍ” وَغَيْرِهِ.

وَمَعْلُومٌ أَنَّ المَنْقُولَ فِي “التَّفْسِيرِ” أَكْثَرُهُ كَالمَنْقُولِ فِي “المَغَازِي”، وَ”المَلَاحِمِ”.

وَلِهَذَا قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ: “ثَلَاثَةُ أُمُورٍ لَيْسَ لَهَا إِسْنَادٌ: التَّفْسِيرُ، وَالمَلَاحِمُ، وَالمَغَازِي”.

وَيُرْوَى: “لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ”. أَيْ: إِسْنَادٌ؛ لأَنَّ الغَالِبَ عَلَيْهَا “المَرَاسِيلُ”؛ مِثْلُ مَا يَذْكُرُهُ: عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَابْنِ إِسْحَاقَ، وَمَنْ بَعْدَهُمُ؛ كَـ: يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأُمُوِيِّ، وَالوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، وَالوَاقِدِيِّ، وَنَحْوِهِمْ مِنْ كُتَّابِ المَغَازِي.

فَإِنَّ أَعْلَمَ النَّاسِ بِالمَغَازِي: “أَهْلُ المَدِينَةِ”، ثُمَّ “أَهْلُ الشَّامِ”، ثُمَّ “أَهْلُ العِرَاقِ”. 

فَـ “أَهْلُ المَدِينَةَ” أَعْلَمُ بِهَا؛ لأَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَهُمْ، وَ”أَهْلُ الشَّامِ” كَانُوا أَهْل غَزْوٍ وَجِهَادٍ، فَكَانَ لَهُمْ مِنَ العِلْمِ بِالجِهَادِ وَالسِّيَرِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِمْ؛ وَلِهَذَا عَظَّمَ النَّاسُ كِتَابَ أَبِي إِسْحَاقَ الفَزَارِيِّ الَّذِي صَنَّفَهُ فِي ذَلِكَ، وَجَعَلُوا الأَوْزَاعِيَّ أَعْلَمَ بِهَذَا البَابِ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ عُلَمَاءِ الأَمْصَارِ.

وَأَمَّا التَّفْسِيرُ، فَإِنَّ أَعْلَمَ النَّاسِ بِهِ “أَهْلُ مَكَّةَ”؛ لأَنَّهُمْ أَصْحَابُ ابنِ عَبَّاسٍ؛ كَـ: مُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَعِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ كَـ: طَاوُوسٍ، وَأَبِي الشَّعْثَاءِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَمْثَالِهِمْ.

وَكَذَلِكَ “أَهْلُ الكُوفَةِ” مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا تَمَيَّزُوا بِهِ عَلَى غَيْرِهِمْ.

وَعُلَمَاءُ “أَهْلِ المَدِينَةِ” فِي “التَّفْسِيرِ”: مِثْلُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ الَّذِي أَخَذَ عَنْهُ مَالِكٌ التَّفْسِيرَ، وَأَخَذَهُ عَنْهُ أَيْضاً ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَعَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ.

وَ”المَرَاسِيلُ” إِذَا تَعَدَّدَتْ طُرُقُهَا وَخَلَتْ عَنْ المُوَاطَأَةِ قَصْداً، أَوْ الاتِّفَاقِ بِغَيْرِ قَصْدٍ، كَانَتْ صَحِيحَةً قَطْعاً؛ فَإِنَّ النَّقْلَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ صِدْقاً مُطَابِقاً لِلْخَبَرِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ كَذِباً تَعَمَّدَ صَاحِبُهُ الكَذِبَ، أَوْ أَخْطَأَ فِيهِ. فَمَتَى سَلِمَ مِنَ الكَذِبِ الْعَمْدِ، وَالْخَطَأِ، كَانَ صِدْقاً بِلَا رَيْبٍ.

فَإِذَا كَانَ الْحَدِيثُ جَاءَ مِنْ جِهَتَيْنِ، أَوْ جِهَاتٍ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ المُخْبِرِينَ لَمْ يَتَوَاطَؤُوا عَلَى اخْتِلَاقِهِ، وَعُلِمَ أَنَّ مِثْلُ ذَلِكَ لَا تَقَعُ المُوَافَقَةُ فِيهِ اتِّفَاقاً بِلَا قَصْدٍ؛ عُلِمَ أَنَّهُ صَحِيحٌ، مِثْلَ شَخْصٍ يُحَدِّثُ عَنْ وَاقِعَةٍ جَرَتْ وَيَذْكُرُ تَفَاصِيلُ مَا فِيهَا مِنْ الأَقْوَالِ وَالأَفْعَالِ، وَيَأْتِي شَخْصٌ آخَرُ قَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُوَاطِئِ الأَوَّلَ فَيَذْكُرُ مِثْلَ مَا ذَكَرَهُ الأَوَّلُ مِنْ تَفَاصِيلِ الأَقْوَالِ وَالأَفْعَالِ؛ فَيُعْلَمُ قَطْعاً أَنَّ تِلْكَ الوَاقِعَةَ حَقٌّ فِي الجُمْلَةِ. فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا كَذَبَهَا عَمْداً أَوْ خَطَأً لَمْ يَتَّفِقْ فِي العَادَةِ أَنْ يَأْتِيَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِتِلْكَ التَّفَاصِيلِ الَّتِي تَمْنَعُ العَادَةُ اتِّفَاقَ الاثْنَيْنِ عَلَيْهَا بِلَا مُوَاطَأَةٍ مِنْ أَحَدِهِمَا لِصَاحِبِهِ؛ فَإِنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَتَّفِقُ أَنْ يَنْظِمَ بَيْتاً وَيَنْظِمَ الآخَرُ مِثْلَهُ، أَوْ يَكْذِبَ كِذْبَةً وَيَكْذِبَ الآخَرُ مِثْلَهَا، أَمَّا إِذَا أَنْشَأَ قَصِيدَةً طَوِيلَةً ذَاتَ فُنُونٍ، عَلَى قَافِيةٍ وَرَوِيٍّ، فَلَمْ تَجْرِ العَادَةُ بِأَنَّ غَيْرَهُ يُنْشِئُ مِثْلَهَا لَفْظاً وَمَعْنًى، مَعَ الطُّولِ المُفْرِطِ، بَلْ يُعْلَمُ بِالعَادَةِ أَنَّهُ أَخَذَهَا مِنْهُ. وَكَذَلِكَ إِذَا حَدَّثَ حَدِيثاً طَويلاً فِيهِ فُنُونٌ، وَحَدَّثَ آخَرُ بِمِثْلِهِ؛ فَإِنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ وَاطَأَةُ عَلَيْهِ، أَوْ أَخَذَهُ مِنْهُ، أَوْ يَكُونَ الحَدِيثُ صِدْقاً.

وَبِهَذِهِ الطَّرِيقِ يُعْلَمُ صِدْقُ عَامَّةِ مَا تَتَعَدَّدُ جِهَاتُهُ المُخْتَلِفَةُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مِنَ المَنْقُولَاتِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدُهَا كَافِياً؛ إِمَّا لإِرْسَالِهِ، وَإِمَّا لِضَعْفِ نَاقِلِهِ.

لَكِنَّ مِثْلَ هَذَا لَا تُضْبَطُ بِهِ الأَلْفَاظُ وَالدَّقَائِقُ الَّتِي لَا تُعْلَمُ بِهَذِهِ الطَّرِيقِ، بَلْ يَحْتَاجُ ذَلِكَ إِلَى طَرِيقٍ يَثْبُتُ بِهَا مِثْلُ تِلْكَ الأَلْفَاظِ وَالدَّقَائِقِ؛ وَلِهَذَا ثَبَتَتْ “غَزْوَةُ بَدْرِ” بِالتَّوَاتُرِ، وَأَنَّهَا قَبْلَ “أُحُدٍ”، بَلْ يُعْلَمُ قَطْعاً أَنَّ: حَمْزَةَ، وَعَلِيّاً، وَعُبَيْدَةَ بَرَزُوا إِلَى: عُتَبَةَ، وَشَيْبَةَ، وَالوَلِيدِ، وَأَنَّ عَلِيّاً قَتَلَ الوَلِيدَ، وَأَنَّ حَمْزَةَ قَتَلَ قِرْنَهُ، ثُمَّ يُشَكُّ فِي قِرْنِهِ هَلْ هُوَ عُتْبَةُ أَوْ شَيْبَةُ؟

وَهَذَا الأَصْلُ يَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ، فَإِنَّهُ أَصْلٌ نَافِعٌ فِي الْجَزْمِ بِكَثِيرٍ مِنَ المَنْقُولَاتِ فِي: “الحَدِيثِ”، وَ”التَّفْسِيرِ” وَ”المَغَازِي”، وَمَا يُنْقَلُ مِنْ أَقْوَالِ النَّاسِ وَأَفْعَالِهِمْ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.

وَلِهَذَا إِذَا رُوِيَ الْحَدِيثُ الَّذِي يَتَأَتَّى فِيهِ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ وَجْهَيْنِ، مَعَ العِلْمِ بِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَمْ يَأْخُذْهُ عَنْ الآخَرِ؛ جَزَمَ بِأَنَّهُ حَقٌّ، لَا سِيَّمَا إِذَا عَلِمَ أَنَّ نَقَلَتَهُ لَيْسُوا مِمَّنْ يَتَعَمَّدُ الكَذِبَ، وَإِنَّمَا يُخَافُ عَلَى أَحَدِهِمْ النِّسْيَانُ وَالغَلَطُ، فَإِنَّ مَنْ عَرَفَ الصَّحَابَةَ، كَـ: ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: وَابْنِ عُمَرَ، وَجَابِرٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَغَيْرِهِمْ؛ عَلِمَ يَقِيناً أَنَّ الوَاحِدَ مِنْ هَؤُلَاءِ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَتَعَمَّدُ الكَذِبَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ؛ فَضْلاً عَمَّنْ هُوَ فَوْقَهُمْ. كَمَا يُعْلَمُ الرَّجُلُ مِنْ حَالِ مَنْ جَرَّبَهُ وَخَبَرَهُ خِبْرَةً بَاطِنَةً طَوِيلَةً أَنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ يَسْرِقُ أَمْوَالَ النَّاسِ، وَيَقْطَعُ الطَّرِيقَ، وَيَشْهَدُ بِالزُّورِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.

وَكَذَلِكَ “التَّابِعُونَ” بِالمَدِينَةِ، وَمَكَّةَ، وَالشَّامِ، وَالبَصْرَةِ، فَإِنَّ مَنْ عَرَفَ مِثْلَ: أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، وَالأَعْرَجِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَأَمْثَالَهُمْ؛ عَلِمَ قَطْعاً أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَتَعَمَّدُ الكَذِبَ فِي الحَدِيثِ؛ فَضْلاً عَمَّنْ هُوَ فَوْقَهُمْ؛ مِثْلُ: مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، أَوْ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَوْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، أَوْ عَبَيْدَةَ السَّلْمَانِيِّ، أَوْ عَلْقَمَةَ، أَوْ الأَسْوَدِ، أَوْ نَحْوِهِمْ.

وَإِنَّمَا يُخَافُ عَلَى الوَاحِدِ مِنَ الغَلَطِ، فَإِنَّ الغَلَطَ وَالنِّسْيَانَ كَثِيراً مَا يَعْرِضُ لِلإِنْسَانِ. وَمِنَ الحُفَّاظِ مَنْ قَدْ عَرَفَ النَّاسُ بُعْدَهُ عَنْ ذَلِكَ جِدّاً؛ كَمَا عَرَفُوا حَالَ: الشَّعْبِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَعُرْوَةَ، وَقَتَادَةَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَمْثَالِهِمْ؛ لَا سِيَّمَا الزُّهْرِيُّ فِي زَمَانِهِ، وَالثَّوْرِيُّ فِي زَمَانِهِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ يَقُولُ القَائِلُ: إِنَّ ابْنَ شِهَابٍ الزُّهْرِيَّ لَا يُعْرَفُ لَهُ غَلَطٌ مَعَ كَثْرَةِ حَدِيثِهِ، وَسَعَةِ حِفْظِهِ.

وَالمَقْصُودُ: أَنَّ الحَدِيثُ الطَّوِيلَ إِذَا رُوِيَ مَثَلاً مِنْ وَجْهَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ مِنْ غَيْرِ مُوَاطَأَةٍ؛ امْتَنَعَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ غَلَطاً، كَمَا امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ كَذِباً؛ فَإِنَّ الغَلَطَ لَا يَكُونُ فِي قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ مُتَنَوِّعَةٍ، وَإِنَّمَا يَكُونُ فِي بَعْضِهَا، فَإِذَا رَوَى هَذَا قِصَّةً طَوِيلَةً مُتَنَوِّعَةً، وَرَوَاهَا الآخَرُ مِثْلَمَا رَوَاهَا الأَوَّلُ مِنْ غَيْرِ مُوَاطَأَةٍ، امْتَنَعَ الغَلَطُ فِي جَمِيعِهَا، كَمَا امْتَنَعَ الكَذِبُ فِي جَمِيعِهَا مِنْ غَيْرِ مُوَاطَأَةٍ.

وَلِهَذَا إِنَّمَا يَقَعُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ غَلَطٌ فِي بَعْضِ مَا جَرَى فِي القِصَّةِ؛ مِثْلُ حَدِيثِ اشْتِرَاءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم البَعِيرَ مِنْ جَابِرٍ، فَإِنَّ مَنْ تَأَمَّلَ طُرُقَهُ عَلِمَ قَطْعاً أَنَّ الحَدِيثَ صَحِيحٌ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ البُخَارِيُّ فِي “صَحِيحِهِ” -فَإِنَّ جُمْهُورَ مَا فِي “البُخَارِيِّ”، وَ”مُسْلِمٍ” مِمَّا يُقْطَعُ بِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسل قَالَهُ؛ لأَنَّ غَالِبَهُ مِنْ هَذَا النَّحْوِ-؛ وَلأَنَّهُ قَدْ تَلَقَّاهُ أَهْل العِلْمِ بِالقَبُولِ وَالتَّصْدِيقِ، وَالأُمَّةُ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى خَطَأٍ. فَلَوْ كَانَ الحَدِيثُ كَذِباً فِي نَفْسِ الأَمْرِ، وَالأُمَّةُ مُصَدِّقَةٌ لَهُ، قَابِلَةٌ لَهُ؛ لَكَانُوا قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى تَصْدِيقِ مَا هُوَ فِي نَفْسِ الأَمْرِ كَذِبٌ، وَهَذَا إِجْمَاعٌ عَلَى الخَطَأِ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ، وَإِنْ كُنَّا نَحْنُ بِدُونِ الإِجْمَاعِ نُجَوِّزُ الخَطَأَ أَوِ الكَذِبَ عَلَى الخَبَرِ، فَهُوَ كَتَجْوِيزِنَا قَبْلَ أَنْ نَعْلَمَ الإِجْمَاعَ عَلَى العِلْمِ الَّذِي ثَبَتَ “بِظَاهِرٍ” أَوْ “قِيَاسٍ ظَنِّيٍّ” أَنْ يَكُونَ الحَقُّ فِي البَاطِنِ بِخِلَافِ مَا اعْتَقَدْنَاهُ. فَإِذَا أَجْمَعُوا عَلَى الحُكْمِ جَزَمْنَا بِأَنَّ الحُكْمَ ثَابِتٌ بَاطِناً وَظَاهِراً.

وَلِهَذَا كَانَ جُمْهُورُ أَهْل العِلْمِ مِنْ جَمِيعِ الطَّوائِفِ عَلَى أَنَّ “خَبَرَ الوَاحِدِ” إِذَا تَلَقَّتْهُ الأُمَّةُ بِالقَبُولِ؛ تَصْدِيقاً لَهُ، أَوْ عَمَلاً بِهِ، أَنَّهُ يُوجِبُ العِلْمِ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ المُصَنِّفُونَ فِي “أُصُولِ الفِقْهِ” مِنْ أَصْحَابِ: أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، إِلَّا فِرْقَةً قَلِيلَةً مِنَ المُتَأَخِّرِينَ اتَّبَعُوا فِي ذَلِكَ طَائِفَةً مِنْ “أَهْلِ الكَلَامِ” أَنْكَرُوا ذَلِكَ. وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْ “أَهْلِ الكَلَامِ”، أَوْ أَكْثَرَهُمْ، يُوافِقُونَ “الفُقَهَاءَ”، وَ”أَهْلَ الحَدِيثِ”، وَ”السَّلَفَ” عَلَى ذَلِكَ.

وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ “الأَشْعَرِيَّةِ”؛ كَـ: أَبِي إِسْحَاقَ، وَابْنِ فَوْرَكٍ. وَأَمَّا ابْنُ البَاقِلَّانِيِّ فَهُوَ الَّذِي أَنْكَرَ ذَلِكَ، وَاتَّبَعَهُ مِثْلُ: أَبِي المَعَالِي، وَأَبِي حَامِدٍ، وَابْنِ عَقِيلٍ، وَابْنِ الجَوْزِيِّ، وَابْنِ الخَطِيبِ، وَالآمِدِيِّ، وَنَحْوُ هَؤُلَاءِ. وَالأَوَّلُ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَأَبُو الطَّيِّبِ، وَأَبُو إِسْحَاقَ، وَأَمْثَالُهُ مِنْ “أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ”. وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ القَاضِي عَبْدُ الوَهَّابِ وَأَمْثَالُهُ مِنَ “المَالِكِيَّةِ”. وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ شَمْسُ الدِّينِ السَّرْخَسِيُّ وَأَمْثَالُهُ مِنَ “الحَنَفِيَّةِ”، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو يَعْلَى، وَأَبُو الخَطَّابِ، وَأَبُو الحَسَنِ بْنُ الزَّاغُونِيِّ، وَأَمْثَالُهُمْ مِنَ “الحَنْبَلِيَّةِ”.

وَإِذَا كَانَ الإِجْمَاعُ عَلَى تَصْدِيقِ الْخَبَرِ مُوجِباً لِلْقَطْعِ به؛ فَالاعْتِبَارُ فِي ذَلِكَ بِإِجْمَاعِ أَهْل العِلْمِ بِالْحَدِيثِ، كَمَا أَنَّ الاعْتِبَارَ فِي الإِجْمَاعِ عَلَى الأَحْكَامِ بِإِجْمَاعِ أَهْل العِلْمِ بِالأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالإِبَاحَةِ.

وَالمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ تَعَدُّدَ الطُرُقِ مَعَ عَدَمِ التَّشَاوُرِ أَوِ الاتِّفَاقِ فِي العَادَةِ يُوجِبُ العِلْمَ بِمَضْمُونِ المَنْقُولِ، لَكِنَّ هَذَا يَنْتَفِعُ بِهِ كَثِيراً مَنْ عَلِمَ أَحْوَالَ النَّاقِلِينَ. وَفِي مِثْلِ هَذَا يُنْتَفَعُ بِرِوَايَةِ “المَجْهُولِ”، وَ”السَّيِّئِ الحِفْظِ” وَبِالْحَدِيثِ “المُرْسَلِ”، وَنَحْوِ ذَلِكَ.

وَلِهَذَا كَانَ أَهْل العِلْمِ يَكْتُبُونَ مِثْلَ هَذِهِ الأَحَادِيثِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّهُ يَصْلَحُ “لِلشَّوَاهِدِ وَالاعْتِبَارِ” مَا لَا يَصْلُحُ لِغَيْرِهِ؛ قَالَ أَحْمَدُ: “قَدْ أَكْتُبُ حَدِيثَ الرَّجُلِ لأَعْتَبِرَهُ” وَمَثَّلَ ذَلِكَ “بِعَبْدِ اللهِ بْنِ لَهِيعَةَ” قَاضِي “مِصْرَ”، فَإِنَّهُ كَانَ أَكْثَرَ النَّاسِ حَدِيثاً، وَمِنْ خِيَارِ النَّاسِ، لَكِنْ بِسَبَبِ احْتِرَاقِ كُتُبِهِ وَقَعَ فِي حَدِيثِهِ المُتَأَخِّرِ “غَلَطٌ” فَصَارَ يُعْتَبَرُ بِذَلِكَ وَيُسْتَشْهَدُ بِهِ، وَكَثِيراً مَا يَقْتَرِنُ هُوَ وَ”اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ”، وَاللَّيْثُ “حُجَّةٌ، ثَبْتٌ، إِمَامٌ”.

وَكَمَا أَنَّهُمْ يَسْتَشْهِدُونَ وَيَعْتَبِرُونَ بِحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ “سُوءُ حِفْظٍ”، فَإِنَّهُمْ أَيْضاً يُضَعِّفُونَ مِنْ حَدِيثِ: “الثِّقَةِ، الصَّدُوقِ، الضَّابِطِ”، أَشْيَاءَ تَبَيَّنَ لَهُمْ غَلَطُهُ فِيهَا، بِأُمُورٍ يَسْتَدِلُّونَ بِهَا -وَيُسَمُّونَ هَذَا: “عِلْمَ عِلَلِ الحَدِيثِ”، وَهُوَ مِنْ أَشْرَفِ عُلُومِهِمْ- بِحَيْثُ يَكُونُ الْحَدِيثُ قَدْ رَوَاهُ “ثِقَةٌ ضَابِطٌ”، وَغَلِطَ فِيهِ، وَغَلَطُهُ فِيهِ عُرِفَ إِمَّا بِسَبَبٍ ظَاهِرٍ، كَمَا عَرَفُوا: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلَالٌ». وَأَنَّهُ «صَلَّى فِي البَيْتِ رَكْعَتَيْنِ». وَجَعَلُوا رِوَايَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ لِتَزَوُّجِهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ. وَلِكَوْنِهِ لَمْ يُصَلِّ؛ مِمَّا وَقَعَ فِيهِ الغَلَطُ.

وَكَذَلِكَ أَنَّهُ «اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ»، وَعَلِمُوا أَنَّ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ: “إِنَّهُ اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ”. مِمَّا وَقَعَ فِيهِ الغَلَطُ. وَعَلِمُوا أَنَّهُ تَمَتَّعَ وَهُوَ “آمِنٌ” فِي “حَجَّةِ الوَدَاعِ”، وَأَنَّ قَوْلَ عُثْمَانَ لِعَلِيٍّ: “كُنَّا يَوْمَئِذٍ خَائِفِينَ”، مِمَّا وَقَعَ فِيهِ الغَلَطُ. وَأَنَّ مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ “البُخَارِيِّ”: «أَنَّ النَّارَ لَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يُنْشِئَ اللهَ لَهَا خَلْقاً آخَرَ»، مِمَّا وَقَعَ فِيهِ الغَلَطُ. وَهَذَا كَثِيرٌ.

وَالنَّاسُ فِي هَذَا البَابِ طَرَفَانِ: طَرَفٌ مِنْ “أَهْلِ الكَلَامِ” وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ هُوَ بَعِيدٌ عَنْ مَعْرِفَةِ “الْحَدِيثِ” وَأَهْلِهِ، لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ “الصَّحِيحِ” وَ”الضَّعِيفِ”، فَيَشُكُّ فِي صِحَّةِ أَحَادِيثَ، أَوْ فِي القَطْعِ بِهَا، مَعَ كَوْنِهَا مَعْلُومَةً، مَقْطُوعاً بِهَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ بِهِ.

وَطَرَفٌ مِمَّنْ يَدَّعِي اتِّبَاعَ الْحَدِيثِ وَالْعَمَلَ بِهِ، كُلَّمَا وَجَدَ لَفْظاً فِي حَدِيثٍ قَدْ رَوَاهُ “ثِقَةٌ”، أَوْ رَأَى حَدِيثاً بِإِسْنَادٍ ظَاهِرُهُ الصِّحَّةُ، يُرِيدُ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ مِنْ جِنْسِ مَا جَزَمَ أَهْلُ العِلْمِ بِصِحَّتِهِ، حَتَّى إِذَا عَارَضَ “الصَّحِيحَ” المَعْرُوفَ أَخَذَ يَتَكَلَّفُ لَهُ التَّأْوِيلَاتِ البَارِدَةَ، أَوْ يَجْعَلُهُ دَلِيلاً لَهُ فِي مَسَائِلِ الْعِلْمِ، مَعَ أَنَّ أَهْلَ العِلْمِ بِالحَدِيثِ يَعْرِفُونَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا غَلَطٌ.

وَكَمَا أَنَّ عَلَى الحَدِيثِ أَدِلَّةً يُعْلَمُ بِهَا أَنَّهُ صِدْقٌ، وَقَدْ يُقْطَعُ بِذَلِكَ؛ فَعَلَيْهِ أَدِلَّةٌ يُعْلَمُ بِهَا أَنَّهُ كَذِبٌ، وَيُقْطَعُ بِذَلِكَ؛ مِثْلُ مَا يُقْطَعُ بِكَذِبِ مَا يَرْوِيهِ الوَضَّاعُونَ مِنْ أَهْلِ البِدَعِ وَالغُلُوِّ فِي “الفَضَائِلِ”؛ مِثْلُ حَدِيثِ “يَوْمِ عَاشُورَاءَ”، وَأَمْثَالِهِ مِمَّا فِيهِ “أَنَّ مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَ لَهُ كَأَجْرِ كَذَا وَكَذَا نَبِيّاً”.

وَفِي “التَّفْسِيرِ” مِنْ هَذِهِ المَوْضُوعَاتِ قِطْعَةٌ كَبِيرَةٌ، مِثْلُ الحَدِيثِ الَّذِي يَرْوِيهِ “الثَعْلَبِيُّ”، وَ”الوَاحِدِيُّ”، وَ”الزَّمَخْشَرِيُّ” فِي “فَضَائِلِ سُوَرِ القُرْآنِ”، سُورَةً سُورَةً؛ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ بِاتِّفَاقِ أَهْل العِلْمِ.

وَ”الثَّعْلَبِيُّ” هُوَ فِي نَفْسِهِ كَانَ فِيهِ خَيْرٌ وَدِينٌ، وَلَكِنَّهُ كَانَ حَاطِبَ لَيْلٍ يَنْقُلُ مَا وُجِدَ فِي كُتُبِ “التَّفْسِيرِ” مِنْ “صَحِيحٍ” وَ”ضَعِيفٍ” وَ”مَوْضُوعٍ”.

وَ”الوَاحِدِيُّ” صَاحِبُهُ كَانَ أَبْصَرَ مِنْهُ بِالْعَرَبِيَّةِ، لَكِنْ هُوَ أَبْعَدُ عَنْ السَّلَامَةِ وَاتِّبَاعِ السَّلَفِ.

وَ”البَغَوِيُّ” تَفْسِيرُهُ مُخْتَصَرٌ مِنَ الثَّعْلَبِيِّ، لَكِنَّهُ صَانَ تَفْسِيرَهُ عَنْ الأَحَادِيثِ المَوْضُوعَةِ وَالآرَاءِ المُبْتَدَعَةِ.

وَ”المَوْضُوعَاتُ” فِي “كُتُبِ التَّفْسِيرِ” كَثِيرَةٌ؛ مِنْهَا الأَحَادِيثُ الكَثِيرَةُ الصَّرِيحَةُ فِي “الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ”، وَحَدِيثُ عَلِيٍّ الطَّوِيلُ فِي “تَصَدُّقِهِ بِخَاتَمِةِ فِي الصَّلَاةِ”، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ العِلْمِ. وَمِثْلُ مَا رُوِيَ فِي قَوْلِهِ: {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} [الرعد: 7] إِنَّهُ عَلِيٌّ. {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} [الحاقة: 12]: أُذُنُكَ يَا عَلِيُّ.

فَصْلٌ: [فِي النَّوْعِ الثَّانِي: الخِلَافُ الْوَاقِعُ فِي “التَّفْسِيرِ”، مِنْ جِهَةِ الاسْتِدْلَالِ]

وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ سَبَبَيِّ الاخْتِلَافِ، وَهُوَ مَا يُعْلَمُ بِالاسْتِدْلَالِ لَا بِالنَّقْلِ، فَهَذَا أَكْثَرُ مَا فِيهِ الخَطَأُ مِنْ جِهَتَيْنِ حَدَثَتَا بَعْدَ تَفْسِيرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ بِإِحْسَانٍ -فَإِنَّ التَّفَاسِيرَ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَلَامُ هَؤُلَاءِ صِرْفاً لَا يَكَادُ يُوجَدُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ هَاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ؛ مِثْلُ: “تَفْسِيرِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ”، وَ”وكيع”، وَ”عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ” وَ”عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ دُحَيمٍ”. وَمِثْلُ: “تَفْسِيرِ الإِمَامِ أَحْمَدَ”، وَ”إِسْحَاقَ بْنِ رَاهُويَهْ”، وَ”بَقِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ”، وَ”أَبِي بَكْرِ بْنِ المُنْذِرِ”، وَ”سُفْيَانَ بْنِ عُبَيْنَةَ”، وَ”سُنَيْدٍ”، وَ”ابْنِ جَرِيرٍ”، وَ”ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ”، وَ”أَبِي سَعِيدٍ الأَشَجِّ”، وَ”أَبِي عَبْدِ اللهِ بْنِ مَاجَهْ”، وَ”ابْنِ مَرْدُويَه”.

أَحَدَهُمَا: قَوْمٌ اعْتَقَدُوا مَعَانِيَ، ثُمَّ أَرَادُوا حَمْلَ أَلْفَاظِ “القُرْآنِ” عَلَيْهَا.

وَالثَّانِي: قَوْمٌ فَسَّرُوا “القُرْآنَ” بِمُجَرَّدِ مَا يَسُوغُ أَنْ يُرِيدَهُ مَنْ كَانَ مِنَ النَّاطِقِينَ بِـ “لُغَةِ العَرَبِ” بِكَلَامِهِ، مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِِلَى المُتَكَلِّمِ بِـ “القُرْآنِ”، وَالمُنَزَّلِ عَلَيْهِ، وَالمُخَاطَبِ بِهِ.

فَالأَوَّلُونَ رَاعُوا المَعْنَى الَّذِي رَأَوْهُ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى مَا تَسْتَحِقُّهُ أَلْفَاظُ “القُرْآنِ” مِنَ الدِّلَالَةِ وَالبَيَانِ. وَالآخَرُونَ رَاعَوْا مُجَرَّدَ اللَّفْظِ، وَمَا يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ عِنْدَهُمُ العَرَبِيُّ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى مَا يَصْلُحُ لِلمُتَكَلِّمِ بِهِ، وَسِيَاقِ الكَلَامِ.

ثُمَّ هَؤُلَاءِ كَثِيراً مَا يَغْلَطُونَ فِي احْتِمَالِ اللَّفْظِ لِذَلِكَ المَعْنَى فِي “اللُّغَةِ”، كَمَا يَغْلَطُ فِي ذَلِكَ الَّذِينَ قَبْلَهُمْ. كَمَا أَنَّ الأَوَّلِينَ كَثِيراً مَا يَغْلَطُونَ فِي صِحَّةِ المَعْنَى الَّذِي فَسَّرُوا بِهِ “القُرْآنَ”، كَمَا يَغْلَطُ فِي ذَلِكَ الآخَرُونَ، وَإِنْ كَانَ نَظَرُ الأَوَّلِينَ إِلَى المَعْنَى أَسْبَقَ، وَنَظَرُ الآخَرِينَ إِلَى اللَّفْظِ أَسْبَق.

وَالأَوَّلُونَ صِنْفَانِ: تَارَةً يَسْلُبُونَ لَفْظَ “القُرْآنِ” مَا دَلَّ عَلَيْهِ وَأُرِيدَ بِهِ. وَتَارَةً يَحْمِلُونَهُ عَلَى مَا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يُرَدْ بِهِ. وَفِي كِلَا الأَمْرَيْنِ قَدْ يَكُونُ مَا قَصَدُوا نَفْيَهُ أَوْ إِثْبَاتَهُ مِنَ المَعْنَى بَاطِلاً؛ فَيَكُونُ خَطَؤُهُمْ فِي الدَّلِيلِ وَالمَدْلُولِ. وَقَدْ يَكُونُ حَقّاً فَيَكُونُ خَطَؤُهُمْ فِيهِ فِي الدَّلِيلِ لَا فِي المَدْلُولِ.

وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ وَقَعَ فِي “تَفْسِيرِ القُرْآنِ”، فَإِنَّهُ وَقَعَ أَيْضاً فِي “تَفْسِيرِ الحَدِيثِ”.

فَالَّذِينَ أَخْطَرُوا فِي الدَّلِيلِ وَالمَدْلُولِ مِثْلُ طَوَائِفَ مِنْ “أَهْلِ البِدَعِ” اعْتَقَدُوا مَذْهَباً يُخَالِفُ الحَقَّ الَّذِي عَلَيْهِ الأُمَّةُ الوَسَطُ الَّذِينَ لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى ضَلَالَةٍ، كَسَلَفِ الأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا، وَعَمَدُوا إِلَى “القُرْآنِ” فَتَأَوَّلُوهُ عَلَى آرَائِهِمْ، تَارَةً يَسْتَدِلُّونَ بِآيَاتٍ عَلَى مَذْهَبِهِمْ وَلَا دِلَالَةَ فِيهَا، وَتَارَةً يَتَأَوَّلُونَ مَا يُخَالِفُ مَذْهَبَهُمْ بِمَا يُحَرِّفُونَ بِهِ الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ.

وَمِنْ هَؤُلَاءِ فِرَقُ “الخَوَارِجِ” وَ”الرَّوَافِضِ”، وَ”الجَهْمِيَّةِ”، وَ”المُعْتَزِلَةِ”، وَ”القَدَرِيَّةِ” وَ”المُرْجَئَةِ”، وَغَيْرِهِمْ.

وَهَذَا كَـ “المُعْتَزِلَةِ” مَثَلاً فَإِنَّهُمْ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ كَلَاماً وَجِدَالاً، وَقَدْ صَنَّفُوا تَفَاسِيرَ عَلَى أُصُولِ مَذْهَبِهِمْ؛ مِثْلُ: “تَفَسِيرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَيْسَانَ الأَصَمِّ”، شَيْخِ إِبْرَاهِيمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ الَّذِي كَانَ يُنَاظِرُ الشَّافِعِيَّ. وَمِثْلُ كِتَابِ “أَبِي عَلِيٍّ الجُبَّائِي”، وَ”التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ” لِلْقَاضِي عَبْدِ الجَبَّارِ بْنِ أَحْمَدَ الهَمَذَانِيِّ، وَ”الجَامِعِ لِعِلْمِ القُرْآنِ” لِعَلِيِّ بْنِ عِيسَى الرُّمَّانِيِّ، وَ”الكَشَّافِ” لأَبِي القَاسِمِ الزَّمَخْشَرِيِّ.

فَهَؤُلَاءِ وَأَمْثَالُهُمُ اعْتَقَدُوا مَذَاهِبَ “المُعْتَزِلَةِ”، وَ”أُصُولُ المُعْتَزِلَةِ خَمْسَةٌ”، يُسَمُّونَهَا هُمُ: “التَّوْحِيدَ”، وَ”العَدْلَ”، وَ”المَنْزِلَةَ بَيْنَ المَنْزِلَتَيْنِ”، وَ”إِنْفَاذَ الوَعِيدِ”، وَ”الأَمْرَ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ المُنْكَرِ”.

وَ”تَوْحِيدُهُمْ” هُوَ: تَوْحِيدُ الجَهْمِيَّةِ الَّذِي مَضْمُونُهُ نَفْيُ الصِّفَاتِ، وَ[غَيْرُ] ذَلِكَ قَالُوا: إِنَّ اللهَ لَا يُرَى، وَإِنَّ “القُرْآنَ” مَخْلُوقٌ، وَإِنَّهُ تَعَالَى لَيْسَ فَوْقَ العَالَمِ، وَإِنَّهُ لَا يَقُومُ بِهِ عِلْمٌ، وَلَا قُدْرَةٌ، ولَا حَيَاةٌ، وَلَا سَمْعٌ، وَلَا بَصَرٌ، وَلَا كَلَامٌ، وَلَا مَشِيئَةٌ، وَلَا صِفَةٌ مِنَ الصِّفَاتِ.

وَأَمَّا “عَدْلُهُمْ” فَمِنْ مَضْمُونِهِ أَنَّ اللهَ لَمْ يَشَأْ جَمِيعَ الكَائِنَاتِ، وَلَا خَلْقَهَا كُلِّهَا، وَلَا هُوَ قَادِرٌ عَلَيْهَا كُلِّهَا، بَلْ عِنْدَهُمْ أَنَّ أَفْعَالَ العِبَادِ لَمْ يَخْلُقْهَا الله، لَا خَيْرَهَا وَلَا شَرَّهَا. وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا مَا أَمَرَ بِهِ شَرْعاً، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَكُونُ بِغَيْرِ مَشِيئَةٍ.

وَقَدْ وَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مُتَأَخِّرُوا “الشِّيعَةِ”؛ كَـ: “المُفِيدِ”، وَ”أَبِي جَعْفَرٍ الطُّوسِيِّ”، وَأَمْثَالِهِمَا. وَلأَبِي جَعْفَرٍ هَذَا “تَفْسِيرٌ” عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، لَكِنْ يَضُمُّ إِلَى ذَلِكَ قَوْلَ “الإِمَامِيَّةِ” الاثْنَى عَشَرِيَّةِ، فَإِنَّ “المُعْتَزِلَةَ” لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يَقُولُ بِذَلِكَ، وَلَا مَنْ يُنْكِرُ “خِلَافَةَ أَبِي بَكْرٍ”، وَ”عُمَرَ”، وَ”عُثْمَانَ”، وَ”عَلِيٍّ”.

وَمِنْ أُصُولِ المُعْتَزِلَةِ مَعَ الخَوَارِجِ: “إِنْفَاذُ الوَعِيدِ فِي الآخِرَةِ”، وَأَنَّ اللهَ لَا يَقْبَلُ فِي أَهْلِ الكَبَائِرِ شَفَاعَةً، وَلَا يُخْرِجُ مِنْهُمْ أَحَداً مِنَ النَّارِ.

وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ قَدْ رَدَّ عَلَيْهِمْ طَوَائِفُ مِنَ “المُرْجِئَةِ” وَ”الكَرَّامِيَةِ”، وَ”الكُلَّابِيَّةِ”، وَأَتْبَاعِهِمْ. فَأَحْسَنُوا تَارَةً وَأَسَاؤُوا أُخْرَى، حَتَّى صَارُوا فِي طَرَفَي نَقِيضٍ، كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي غيْرِ هَذَا المَوْضِعِ.

وَالمَقْصُودُ: أَنَّ مِثْلَ هَؤُلَاءِ اعْتَقَدُوا رَأْياً ثُمَّ حَمَلُوا أَلْفَاظَ “القُرْآنِ” عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لَهُمْ سَلَفٌ مِنَ “الصَّحَابَةِ” وَ”التَّابِعِينِ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ”، وَلَا مِنْ “أَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ”، لَا فِي رَأْيِهِمْ وَلَا فِي تَفْسِيرِهِمْ.

وَمَا مِنْ تَفْسِيرٍ مِنْ تَفَاسِيرِهِمْ البَاطِلَةِ إِلَّا وَبُطْلَانُهُ يَظْهَرُ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ؛ وَذَلِكَ مِنْ جِهَتَيْنِ: تَارَةً مِنَ العِلْمِ بِفَسَادِ قَوْلِهِمْ. وَتَارَةً مِنَ العِلْمِ بِفَسَادِ مَا فَسَّرُوا بِهِ “القُرْآنَ”؛ إِمَّا دَلِيلاً عَلَى قَوْلِهِمْ، أَوْ جَوَاباً عَنْ المُعَارِضِ لَهُمْ.

وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَكُونُ حَسَنَ العِبَارَةِ، فَصِحياً، وَيَدُسُّ البِدَعَ فِي كَلَامِهِ، وَأَكْثَرُ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ؛ كَصَاحِبِ “الكَشَّافِ” وَنَحْوِهِ، حَتَّى إِنَّهُ يَرُوجُ عَلَى خَلْقٍ كَثِيرٍ مِمَّنْ لَا يَعْتَقِدُ البَاطِلَ مِنَ تَفَاسِيرِهِمْ البَاطِلَةِ مَا شَاءَ اللهُ.

وَقَدْ رَأَيْتُ مِنَ العُلَمَاءِ المُفَسِّرِينَ وَغَيْرِهِمْ مَنْ يَذْكُرُ فِي كِتَابِهِ وَكَلَامِهِ مِنْ تَفْسِيرِهِمْ مَا يُوَافِقُ أُصُولَهُمْ الَّتِي يَعْلَمُ، أَوْ يَعْتَقِدُ فَسَادَهَا، وَلَا يَهْتَدِي لِذَلِكَ.

ثُمَّ إِنَّهُ لِسَبَبِ تَطَرُّفِ هَؤُلَاءِ وَضَلَالِهِمْ دَخَلَتْ الرَّافِضَةُ الإِمَامِيَّةُ، ثُمَّ الفَلَاسِفَةُ، ثُمَّ القَرَامِطَةُ، وَغَيْرُهُمْ، فِيمَا هُوَ أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ.

وَتَفَاقَمَ الأَمْرُ فِي “الفَلَاسِفَةِ”، وَ”القَرَامِطَةِ”؛ فَإِنَّهُمْ فَسَّرُوا “القُرْآنَ” بِأَنْوَاعٍ لَا يَقْضِي مِنْهَا العَالِمُ عَجَبُهُ. فَتَفْسِيرُ الرَّافِضَةِ كَقَوْلِهِمْ: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} [المسد: 1] هُمَا: “أَبُو بَكْرٍ” وَ”عُمَرُ”. و{لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] أَي: بَيْنَ: “أَبِي بَكْرٍ” وَ”عُمَرَ”، وَ”عَلِيٍّ” فِي الخِلَافَةِ. و{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} [البقرة: 67] هِيَ: “عَائِشَةُ”. و{فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} [التوبة: 12]: “طَلْحَةَ”، وَ”الزُّبَيْرَ”. و{مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ}[الرحمن: 19]: “عَلِيٌّ” وَ”فَاطِمَةُ”. و{اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} [الرحمن: 22]: “الحَسَنُ”، وَ”الحُسَيْنُ”. {وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} [يس: 12] في: “عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍٍ”. و{عَمَّ يَتَسَاءلُونَ (1) عَنْ النَّبَإِ الْعَظِيمِ} [النبأ: 1-2]: “عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ”. و{إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة: 55]: هُوَ “عَلِيٌّ”. وَيَذْكُرُونَ الحَدِيثَ “المَوْضُوعَ” بِإِجْمَاعِ أَهْلِ العِلْمِ، وَهُوَ: “تَصَدُّقُهُ بِخَاتَمِهِ فِي الصَّلَاةِ”. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} [البقرة: 157] نَزَلَتْ في: “عَلِيٍّ” لَمَّا أُصِيبَ بِحَمْزَةَ.

وَمِمَّا يُقَارِبُ هَذَا مِنْ بَعْضِ الوُجُوهِ: مَا يَذْكُرُهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ} [آل عمران: 17] إِنَّ الصَّابِرِينَ: “رَسُولُ اللهِ”، وَالصَّادِقِينَ: “أَبُو بَكْرٍ”، وَالقَانِتِينَ: “عُمَرُ”، وَالمُنْفِقِينَ: “عُثْمَانٌ”، وَالمُستَغْفِرِينَ: “عَلِيٌّ”.

وَفِي مِثْلِ قَوْلِهِ: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ}: “أَبُو بَكْرٍ” {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ}: “عُمَرُ” {رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}: “عُثْمَانُ”، {تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً} [الفتح: 29]: “عَلِيٌّ”.

وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: {وَالتِّينِ}: “أَبُو بَكْرٍ”، {وَالزَّيْتُونِ}: “عُمَرُ”، {وَطُورِ سِينِينَ}: “عُثْمَانُ” {وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ} [التين: 1-3]: “عَلِيٌّ”.

وَأَمْثَالُ هَذِهِ الخُرَافَاتِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ تَارَةً تَفْسِيرَ اللَّفْظِ بِمَا لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بِحَالٍ، فَإِنَّ هَذِهِ الأَلْفَاظَ لَا تَدُلُّ عَلَى هَؤُلَاءِ الأَشْخَاصِ بِحَالٍ، وَقَوْلُهُ: {وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً} [الفتح: 29] كُلُّ ذَلِكَ نَعْتٌ لِلَّذِينَ مَعَهُ، وَهِيَ الَّتِي يُسَمِّيهَا النُّحَاةُ خَبَراً بَعْدَ خَبَرٍ. وَالمَقْصُودُ هُنَا أَنَّهَا كُلَّهَا صِفَاتٌ لِمَوْصُوفٍ وَاحِدٍ، وَهُمْ الَّذِينَ مَعَهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهَا مُرَاداً بِهِ شَخْصٌ وَاحِدٌ. وَتَتَضَمَّنُ تَارَةً جَعْلَ اللَّفْظِ المُطْلَقِ العَامِّ مُنْحَصِراً فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ، كَقَوْلِهِ: إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ} [المائدة: 55] أُرِيدَ بِهَا “عَلِيٌّ” وَحْدَهُ.

وَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: إِنَّ قَوْلَهُ: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} [الزمر: 33] أُرِيدَ بِهَا: “أَبُو بَكْرٍ” وَحْدَهُ. وَقَوْلَهُ: {لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ} [الحديد: 10] أُرِيدَ بِهَا: “أَبُو بَكْرٍ” وَحْدَهُ. وَنَحْوِ ذَلِكَ.

وَ”تَفْسِيرُ ابْنِ عَطِيَّةَ”، وَأَمْثَالُهُ، أَتْبَعُ “لِلسُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ”، وَأَسْلَمُ مِنَ البِدْعَةِ مِنْ “تَفْسِيرِ الزَّمَخْشَرِيِّ”. وَلَوْ ذَكَرَ كَلَامَ السَّلَفِ المَوْجُودَ فِي التَّفَاسِيرِ المَأْثُورَةِ عَنْهُمْ عَلَى وَجْهِهِ، لَكَانَ أَحْسَنَ وَأَجْمَلَ، فَإِنَّهُ كَثِيراً مَا يَنْقُلُ مِنْ “تَفْسِيرِ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ” -وَهُوَ مِنْ أَجَلِّ التَّفَاسِيرِ المَأْثُورَةِ وَأَعْظَمِهَا قَدْراً- ثُمَّ إِنَّهُ يَدَعُ مَا نَقَلَهُ “ابْنُ جَرِيرٍ” عَنْ السَّلَفِ، لَا يَحْكِيهِ بِحَالٍ، وَيَذْكُرُ مَا يَزْعُمُ أَنَّهُ قَوْلُ المُحَقِّقِينَ. وَإِنَّمَا يَعْنِي بِهِمْ طَائِفَةً مِنْ “أَهْلِ الكَلَامِ”، الَّذِينَ قَرَّرُوا أُصُولَهُمْ بِطُرُقٍ مِنْ جِنْسِ مَا قَرَّرَتْ بِهِ “المُعْتَزِلَةُ” أُصُولَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا أَقْرَبَ إِلَى “السُّنَّةِ” مِنَ “المُعْتَزِلَةِ”، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُعْطَى كُلُّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وَيُعْرَفُ أَنَّ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ التَّفْسِيرِ عَلَى المَذْهَبِ، فَإِنَّ “الصَّحَابَةَ”، وَ”التَّابِعِينَ”، وَ”الأَئِمَّةَ” إِذَا كَانَ لَهُمْ فِي تَفْسِيرِ الآيَةِ قَوْلٌ، وَجَاءَ قَوْمٌ فَسَّرُوا الآيَةَ بِقَوْلٍ آخَرَ لأَجْلِ مَذْهَبٍ اعْتَقَدُوهُ، وَذَلِكَ المَذْهَبُ لَيْسَ مِنْ مَذَاهِبِ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ؛ [صَارُوا مُشَارِكِينَ]: “لِلمُعْتَزِلَةِ” وَغَيْرِهِمْ مِنْ “أَهْلِ البِدَعِ” فِي مِثْلِ هَذَا.

وَفِي الجُمْلَةِ: مَنْ عَدَلَ عَنْ مَذَاهِبِ “الصَّحَابَةِ” وَ”التَّابِعِينَ” وَتَفْسِيرِهِمْ إِلَى مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ كَانَ مُخْطِئاً فِي ذَلِكَ، بَلْ مُبْتَدِعاً، وَإِنْ كَانَ مُجْتَهِداً مَغْفُوراً لَهُ خَطَؤُهُ.

فَالمَقْصُودُ بَيَانُ طُرُقِ العِلْمِ وَأَدِلَّتِهِ، وَطُرُقِ الصَّوَابِ. وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ “القُرْآنَ” قَرَأَهُ “الصَّحَابَةُ” وَ”التَّابِعُونَ” وَتَابِعُوهُمْ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا أَعْلَمَ بِتَفْسِيرِهِ وَمَعَانِيهِ، كَمَا أَنَّهُمْ أَعْلَمُ بِالحَقِّ الَّذِي بَعَثَ اللهُ بِهِ رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم ؛ فَمَنْ خَالَفَ قَوْلَهُمْ وَفَسَّرَ “القُرْآنَ” بِخِلَافِ تَفْسِيرِهِمْ فَقَدْ أَخْطَأَ فِي الدَّلِيلِ وَالمَدْلُولِ جَمِيعاً. وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ مَنْ خَالَفَ قَوْلَهُمْ لَهُ شُبْهَةٌ يَذْكُرُهَا؛ إِمَّا عَقْلِيَّةٌ، وَإِمَّا سَمْعِيَّةٌ، كَمَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ.

وَالمَقْصُودُ هُنَا: التَّنْبِيهُ عَلَى مَثَارِ الاخْتِلَافِ فِي التَّفْسِيرِ، وَأَنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِهِ: البِدَعَ البَاطِلَةِ الَّتِي دَعَتْ أَهْلَهَا إِلَى أَنْ حَرَّفُوا الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَفَسَّرُوا كَلَامَ اللهِ وَرَسُولِه صلى الله عليه وسلم بِغَيْرِ مَا أُرِيدَ بِهِ، وَتَأَوَّلُوهُ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ.

فَمِنْ أُصُولِ العِلْمِ بِذَلِكَ: أَنْ يَعْلَمَ الإِنْسَانُ القَوْلَ الَّذِي خَالَفُوهُ، وَأَنَّهُ الحَقُّ. وَأَنْ يَعْرِفَ أَنَّ “تَفْسِيرَ السَّلَفِ” يُخَالِفُ تَفْسِيرَهُمْ. وَأَنْ يَعْرِفَ أَنَّ “تَفْسِيرَهُمْ” مُحْدَثٌ مُبْتَدَعٌ. ثُمَّ أَنْ يَعْرِفَ بِالطُّرُقِ المُفَصَّلَةِ فَسَادَ تَفْسِيرِهِمْ بِمَا نَصَبَهُ اللهُ مِنَ الأَدِلَّةِ عَلَى بَيَانِ الحَقِّ.

وَكَذَلِكَ وَقَعَ مِنَ الَّذِينَ صَنَّفُوا فِي “شَرْحِ الحَدِيثِ” وَ”تَفْسِيرِهِ” مِنَ المُتَأَخِّرِينَ مِنْ جِنْسِ مَا وَقَعَ بِمَا صَنَعُوهُ مِنْ شَرْحِ “القُرْآنِ” وَ”تَفْسِيرِهِ”.

وَأَمَّا الَّذِينَ يُخْطِئُونَ فِي الدَّلِيلِ لَا فِي المَدْلُولِ، فَمِثْلُ كَثِيرٍ مِنَ “الصُّوفِيَّةِ” وَ”الوُعَّاظِ”، وَ”الفُقَهَاءِ”، وَغَيْرِهِمْ فَإِنَّهُمْ: يُفَسِّرُونَ “القُرْآنَ” بِمَعَانٍ صَحِيحَةٍ لَكِنَّ “القُرْآنَ” لَا يَدُلُّ عَلَيْهَا، مِثْلُ كَثِيرٍ مِمَّا ذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ فِي: “حَقَائِقِ التَّفْسِيرِ”، وَإِنْ كَانَ فِيمَا ذَكَرُوهُ مَا هُوَ مَعَانٍ بَاطِلَةٌ فَإِنَّ ذَلِكَ يَدْخُلُ فِي القِسْمِ الأَوَّلِ، وَهُوَ الخَطَأُ فِي الدَّلِيلِ وَالمَدْلُولِ جَمِيعاً،َ ْحُيث يَكُونُ المَعْنَى الَّذِي قَصَدُوهُ فَاسِداً.

فَصْلٌ: فِي أَحْسَنِ طُرُقِ التَّفْسِيرِتَفْسِيرُ “القُرْآنِ” بِـ “القُرْآنِ” وَتَفْسِيرُهُ بِـ “السُّنَّةِ”

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا أَحْسَنُ طُرُقِ التَّفْسِيرِ؟

فَالجَوَابُ: إِنَّ أَصَحَّ الطُّرُقِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُفَسَّرَ “القُرْآنُ” بِـ “القُرْآنِ”، فَمَا أُجْمِلَ فِي مَكَانٍ فَإِنَّهُ قَدْ فُسِّرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَمَا اخْتُصِرَ فِي مَكَانٍ فَقَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.

فَإِنْ أَعْيَاكَ ذَلِكَ فَعَلَيْكَ بِـ “السُّنَّةِ”، فَإِنَّهَا شَارِحَةٌ لِـ “القُرْآنِ”، وَمُوْضِحَةٌ لَهُ، بَلْ قَدْ قَالَ الإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ: (كُلُّ مَا حَكَمَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَهُوَ مِمَّا فَهِمَهُ مِنَ “القُرْآنِ”؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً} [النساء: 105]. وَقَالَ تَعَالَى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44]. وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النحل: 64]. وَلِهَذَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ القُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ”. يَعْنِي: “السُّنَّةَ”. وَ”السُّنَّةُ” -أَيْضاً- تَنْزِلُ عَلَيْهِ بِالوَحْي كَمَا يَنْزِلُ القُرْآنُ، لَا أَنَّهَا تُتْلَى كَمَا يُتْلَى.

وَقَدِ اسْتَدَلَّ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ، وَغَيْرُهُ مِنَ الأَئِمَّةِ، عَلَى ذَلِكَ بِأَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ، لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذَلِكَ.

وَالغَرَضُ: أَنَّكَ تَطْلُبُ تَفْسِيرَ “القُرْآنِ” مِنْهُ، فَإِنَّ لَمْ تَجِدْهُ فَمِنَ “السُّنَّةِ”، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِمُعَاذٍ -رضي الله عنه- حِينَ بَعَثَهُ إِلَى اليَمَنِ: “بِمَ تَحْكُمْ؟” قَالَ: بِـ “كِتَابِ اللهِ”، قَالَ: “فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟”. قَالَ: “بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ”. قَالَ: “فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟” قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي. قَالَ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي صَدْرِهِ وَقَالَ: “الحَمْدُ للهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللهِ”. وَهَذَا الحَدِيثُ فِي “المَسَانِدِ”، وَ”السُّنَنِ” بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ.

تَفْسِيرُ “القُرْآنِ” بِـ “أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ”

وَحِينَئِذٍ إِذَا لَمْ تَجِدْ التَّفْسير فِي “القُرْآنِ” وَلَا فِي “السُّنَّةِ” رَجَعْنَا فِي ذَلِكَ إِلَى “أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ”، فَإِنَّهُمْ أَدْرَى بِذَلِكَ؛ لِمَا شَاهَدُوهُ مِنَ “القُرْآنِ”، وَالأَحْوَالِ الَّتِي اخْتَصُّوا بِهَا، وَلِمَا لَهُمْ مِنَ الفَهْمِ التَّامِّ وَالعِلْمِ الصَّحِيحِ، وَالعَمَلِ الصَّالِحِ، لَا سِيَّمَا عُلَمَاؤُهُمْ وَكُبَرَاؤهُمْ؛ كَالأئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَالأَئِمَّةِ المَهْدِيِّينِ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

قَالَ الإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: حَدَثَّنا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا جَابِرُ بْنُ نُوحٍ: أَنْبَأَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ -يَعْنِي: ابْنَ مَسْعُودٍ-: “والَّذي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ مَا نَزَلَتْ آيَةٌ مِنْ “كِتَابِ اللهِ” إِلَّا وَأَنَا أَعْلَمُ فِيمَنْ نَزَلَتْ، وَأَيْنَ نَزَلَتْ، وَلَوْ أَعْلَمُ مَكَانَ أَحَدٍ أَعْلَمَ بِـ “كِتَابِ اللهِ” مِنِّي تَنَالُهُ المَطَايَا؛ لآتَيْتُهُ”.

وَقَالَ الأَعْمَشُ -أَيْضاً- عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: (كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا إِذَا تَعَلَّمَ عَشْرَ آيَاتٍ لَمْ يُجَاوِزْهُنَّ حَتَّى يَعْرِفَ مَعَانِيَهُنَّ وَالعَمَلَ بِهِنَّ).

وَمِنْهُمُ: الحَبْرُ البْحَرُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَ«تُرْجُمَانُ القُرْآنِ» بِبَرَكَةِ دُعَاءِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَهُ، حَيْثُ قَالَ: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ».

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، أَنْبَأَنَا وَكِيعٌ، أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ؛ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهُ -يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ-: “نِعْمَ تُرْجُمَان القُرْآنِ ابْنُ عَبَّاسٍ”.

ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ دَاودَ، عَنْ إِسْحَاقَ الأَزْرَقِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ بْنِ صُبَيْحٍ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: (نِعْمَ التُّرْجُمَان لِـ “القُرْآنِ” ابْنُ عَبَّاسٍ).

ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ بُنْدَارٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ، عَنِ الأَعْمَشٍ، بِهِ كَذَلِكَ.

فَهَذَا “إِسْنَادٌ صَحِيحٌ” إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسِ هَذِهِ العِبَارَةَ. وَقَدْ مَاتَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي سَنَةِ “ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ” عَلَى الصَّحِيحِ، وَعُمِّرَ بَعْدَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ (سِتّاً وَثَلَاثِينَ) سَنَةً، فَمَا ظَنُّكَ بِمَا كَسَبَهُ مِنَ العُلُومِ بَعْدَ ابْنِ مَسْعُودٍ؟!

وَقَالَ الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ: (اسْتَخْلَفَ عَلَيٌّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ عَلَى الموسِمِ فَخَطَبَ النَّاسَ، فَقرَأَ فِي خُطْبَتِهِ سُورَةَ “البَقَرَةِ” -وَفِي رِوَايَةٍ، سُورَةَ “النُّورِ”- فَفَسَّرَهَا تَفْسِيراً لَوْ سَمِعَتْهُ “الرُّومُ”، وَ”التُّرْكُ”، وَ”الدَيْلَمُ” لأَسْلَمُوا).

وَلِهَذَا [فَإِنَّ] غَالِبَ مَا يَرْوِيهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّدِّيُّ الكَبِيرُ فِي “تَفْسِيرِهِ” عَنْ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ: ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَكِنْ فِي بَعْضِ الأَحْيَانِ يَنْقُلُ عَنْهُمْ مَا يَحْكُونَهُ مِنْ أَقَاوِيلِ أَهْلِ الكِتَابِ الَّتِي أَبَاحَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَيْثُ قَالَ: “بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ”، رَوَاهُ البُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو.

وَلِهَذَا كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو قَدْ أَصَابَ يَوْمَ “اليَرْمُوكِ” زَامِلَتَيْنِ مِنْ كُتُبِ أَهْلِ الكِتَابِ، فَكَانَ يُحَدِّثُ مِنْهُمَا، بِمَا فَهِمَهُ مِنْ هَذَا الحَدِيثِ مِنَ الإِذْنِ فِي ذَلِكَ.

وَلَكِنَّ هَذِهِ الأَحَادِيثَ “الإِسْرَائِيلِيَّةَ” تُذْكَرُ، لِلاسْتِشْهَادِ لَا لِلاعْتِقَادِ، فَإِنَّهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:

أَحَدُهَا: مَا عَلِمْنَا صِحَّتَهُ مِمَّا بِأَيْدِينَا مِمَّا يَشْهَدُ لَهُ بِالصِّدْقِ، فَذَاكَ صَحِيحٌ.

وَالثَّانِي: مَا عَلِمْنَا كَذِبهُ بِمَا عِنْدَنَا مِمَّا يُخَالِفُهُ.

وَالثَّالِثُ: مَا هُوَ مَسْكُوتٌ عَنْهُ، لَا مِنْ هَذَا القَبِيلِ، وَلَا مِنْ هَذَا القَبِيلِ، فَلَا نُؤْمِنُ بِهِ، وَلَا نُكَذِّبُهُ، وَتَجُوزُ حِكَايَتُهُ؛ لِمَا تَقَدَّمَ. وَغَالِبُ ذَلِكَ مِمَّا لَا فَائِدَةَ فِيهِ تَعُودُ إِلَى أَمْرٍ دِينِيٍّ.

وَلِهَذَا يَخْتَلِفَ عُلَمَاءُ “أَهْلِ الكِتَابِ” فِي مِثْلِ هَذَا كَثِيراً، وَيَأْتِي عَنْ “المُفَسِّرِينَ” خِلَافٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ، كَمَا يَذْكُرُونَ فِي مِثْلِ هَذَا أَسْمَاءَ “أَصْحَابِ الكَهْفِ”، وَ”لَوْنَ كَلْبِهِمْ”، وَ”عِدَّتَهُمْ”، وَ”عَصَا مُوسَى” مِنْ أَيِّ الشَّجَرِ كَانَتْ وَ”أَسْمَاءَ الطُّيُورِ” الَّتِي أَحْيَاهَا اللهُ تَعَالَى لإِبْرَاهِيمَ، وَتَعْيِينَ “البَعْضِ” الَّذِي ضُرِبَ بِهِ القَتِيلُ مِنَ البَقَرَةِ. وَنَوْعَ الشَّجَرَةِ الَّتِي “كَلَّمَ اللهُ” مِنْهَا مُوسَى… إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أَبْهَمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي “القُرْآنِ”؛ مِمَّا لَا فَائِدَةَ مِنْ تَعْيِينِهِ تَعُودُ عَلَى المُكَلَّفِينَ فِي دُنْيَاهُمْ وَلَا دِينِهِمْ.

وَلَكِنَّ نَقْلَ الخِلَافِ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ جَائِزٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَاءً ظَاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَداً} [الكهف: 22]. فَقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ عَلَى الأَدَبِ فِي هَذَا المَقَامِ، وَتَعْلِيمِ مَا يَنْبَغِي فِي مِثْلِ هَذَا، فَإِنَّهُ –تَعَالَى- أَخْبَرَ عَنْهُمْ بِثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، ضَعِّفَ القَوْلَيْنِ الأَوَّلَيْنِ، وَسَكَتَ عَنْ الثَّالِثِ، فَدَلَّ عَلَى صِحَّتِهِ؛ إِذْ لَوْ كَانَ بَاطِلاً لَرَدَّهُ كَمَا رَدَّهُمَا، ثُمَّ أَرْشَدَ إِلَى أَنَّ الاطِّلَاعَ عَلَى عِدَّتِهِمْ لَا طَائِلَ تَحْتَهُ، فَيُقَالُ فِي مِثْلِ هَذَا: {قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم} [الكهف: 22]. فَإِنَّهُ مَا يَعْلَمُ بِذَلِكَ إِلَّا قَلِيلٌ مِنَ النَّاسِ مِمَّنْ أَطْلَعَهُ اللهُ -تَعَالَى- عَلَيْهِ، فَلِهَذَا قَالَ: {فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَاءً ظَاهِراً} [الكهف: 2]. أَيْ: لَا تُجْهِدْ نَفْسَكَ فِيمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ، وَلَا تَسْأَلْهُمْ عَنْ ذََلِكَ، فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا رَجْمَ الغَيْبِ.

فَهَذَا أَحْسَنُ مَا يَكُونُ فِي حِكَايَةِ الخِلَافِ: أَنْ تُسْتَوْعَبَ الأَقْوَالُ فِي ذَلِكَ المَقَامِ، وَأَنْ يُنَبَّهَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْهَا وَيُبْطَلَ البَاطِلُ، وَتُذْكَرَ فَائِدَةُ الخِلَافِ وَثَمَرَتُهُ لِئَلَّا يَطُولَ النِّزَاعُ والخِلَافُ فِيمَا لَا فَائِدَةَ تَحْتَهُ، فَيُشْتَغَلَ بِهِ عَنْ الأَهَمِّ.

فَأَمَّا مَنْ حَكَى خِلَافاً فِي مَسْأَلَةٍ وَلَمْ يَسْتَوْعِبْ أَقْوَالَ النَّاسِ فِيهَا فَهُوَ نَاقِصٌ، إِذْ قَدْ يَكُونُ الصَّوَابُ فِي الَّذِي تَرَكَهُ. أَوْ يَحْكِي الخِلَافَ وَيُطْلِقُهُ وَلَا يُنَبِّهُ عَلَى “الصَّحِيحِ” مِنَ الأَقْوَالِ، فَهُوَ نَاقِصٌ أَيْضاً. فَإِنْ صَحَّحَ غَيْرَ الصَّحِيحِ عَامِداً فَقَدْ تَعَمَّدَ الكَذِبَ. أَوْ جَاهِلاً فَقَدْ أَخْطَأَ. كَذَلِكَ مَنْ نَصَبَ الخِلَافَ فِيمَا لَا فَائِدَةَ تَحْتَهُ، أَوْ حَكَى أَقْوَالاً مُتَعَدِّدَةً لَفْظاً، وَيَرْجِعُ حَاصِلُهَا إِلَى قَوْلٍ أَوْ قَوْلَيْنِ مَعْنًى. فَقَدْ ضَيَّعَ الزَّمَانَ، وَتَكَثَّرَ بِمَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَهُوَ “كَلَابِسِ ثَوْبَي زُورٍ”. وَاللهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.

فَصْلُ: فِي تَفْسِيرِ “القُرْآنِ” بِـ “أَقْوَالِ التَّابِعِينَ”

إِذَا لَمْ تَجِدِ “التَّفْسِيرَ” فِي “القُرْآنِ” وَلَا فِي “السُّنَّةِ” وَلَا وَجَدْتَهُ عَنْ “الصَّحَابَةِ”؛ فَقَدْ رَجَعَ كَثِيرٌ مِنَ الأَئِمَّةِ فِي ذَلِكَ إِلَى أَقْوَالِ “التَّابِعِينِ”:

كَـ: مُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ فَإِنَّهُ آيَةٌ فِي “التَّفْسِيرِ”، كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: (عَرَضْتُ “المُصْحَفَ” عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ثَلَاثَ عَرَضَاتٍ، مِنْ فَاتِحَتِهِ إِلَى خَاتِمَتِهِ، أُوْقِفُهُ عِنْد كُلِّ آيَةٍ مِنْهُ وَأَسْأَلُهُ عَنْهَا).

وَبِهِ إِلَى “التِّرْمِذِيِّ” قَالَ: حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بْنُ مَهْدِيٍّ البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: (مَا فِي “القُرْآنِ” آيَةٌ إِلَّا وَقَدْ سَمِعْتُ فِيهَا شَيْئاً).

وَبِهِ إِلَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، قَالَ: قَالَ مُجَاهِدٌ: (لَوْ كُنْتُ قَرَأْتُ “قِرَاءَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ” لَمْ أَحْتَجْ أَنْ أَسْأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ “القُرْآنِ” مِمَّا سَأَلْتُ).

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا طَلْقُ بْنُ غَنَّامٍ، عَنْ عُثْمَانَ المَكِّيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: (رَأَيْتُ مُجَاهِداً سَأَلَ عَنْ “تَفْسِيرِ القُرْآنِ”، وَمَعَهُ أَلْوَاحُهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اُكْتُبْ، حَتَّى سَأَلَهُ عَنْ التَّفْسِيرِ كُلِّهِ).

وَلِهَذَا كَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يَقُولُ: (إِذَا جَاءَكَ “التَّفْسِيرُ” عَنْ مُجَاهِدٍ فَحَسْبُكَ بِهِ).

وَكَـ: سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَالحَسَن البَصَرِيِّ، وَمَسْرُوق بْنِ الأَجْدَعِ، وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وَأَبِي العَالِيَةِ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، وَقَتَادَةَ، وَالضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ “التَّابِعِينِ” وَتَابِعِيهِمْ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ.

فَتُذْكَرُ أَقْوَالُهُمْ فِي “الآيَةِ” فَيَقَعُ فِي عِبَارَاتِهِمْ تَبَايُنٌ فِي الأَلْفَاظِ يَحْسَبُهَا مَنْ لَا عِلْمَ عَنْدَهُ اخْتِلَافاً، فَيَحْكِيهَا أَقْوَالاً، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُعَبِّرُ عَنِ الشَّيْءِ بِعَيْنِهِ. وَالكُلُّ بِمَعْنًى وَاحِدٍ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمَاكِنِ، فَلْيَتَفَطَّنِ اللَّبِيبُ لِذَلِكَ، وَاللهُ الهَادِي.

وَقَالَ شُعْبَةُ بْنُ الحَجَّاجِ وَغَيْرُهُ: (أَقْوَالُ “التَّابِعِينَ” فِي الفُرُوعِ لَيْسَتْ حُجَّةً، فَكَيْفَ تَكُونُ حُجَّةً فِي “التَّفْسِيرِ”)؟ يَعْنِي: أَنَّهَا لَا تَكُونُ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِمِ مِمَّنْ خَالَفَهُمْ. وَهَذَا صَحِيحٌ، أَمَّا إِذَا اجْتَمَعُوا عَلَى الشَّيْءِ فَلَا يُرْتَابُ فِي كَوْنِهِ حُجَّةً، فَإِنَّ اخْتَلَفُوا فَلَا يَكُونُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ حُجَّةً عَلَى بَعْضٍ، وَلَا عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ، وَيُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إِلَى “لُغَةِ القُرْآنِ” أَوِ “السُّنَّةِ”، أَوْ عُمُومِ “لُغَةِ العَرَبِ”، أَوْ “أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ” فِي ذَلِكَ.

تَفْسِيرِ “القُرْآنِ” بِالرَّأْي

فَأَمَّا تَفْسِيرُ “القُرْآنِ” بِمُجَرَّدِ “الرَّأْيِ”؛ فَحَرَامٌ؛ [لِمَا رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي: “مُسْنَدِهِ”؛ قَالَ:] حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “مَنْ قَالَ فِي “القُرْآنِ” بِغَيْرِ عِلْمٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ”.

حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى الثَّعْلَبِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “مَنْ قَالَ فِي القُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ”.

وَبِهِ إِلَى التِّرْمِذِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنِي حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ أَخُو حَزْمٍ القُطَعِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الجُوْنِيُّ، عَنْ جُنْدُبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “مَنْ قَالَ فِي القُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ؛ فَقَدْ أَخْطَأَ”. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: “هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ أَهْلِ الحَدِيثِ فِي سُهَيْلِ بْنِ أَبِي حَزْمٍ”.

وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَغَيْرِهِمْ، أَنَّهُمْ شَدَّدُوا فِي أَنْ يُفَسَّرَ “القُرْآنُ” بِغَيْرِ عِلْمٍ.

وَأَمَّا الَّذِي رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَقَتَادَةَ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَهْلِ العِلْمِ، أَنَّهُمْ فَسَّرُوا “القُرْآنَ”؛ فَلَيْسَ الظَّنُّ بِهِمْ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي “القُرْآنِ”، أَوْ فَسَّرُوهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أَوْ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُمْ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا: “أَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ”، فَمَنْ قَالَ فِي “القُرْآنِ” بِرَأْيِهِ فَقَدْ تَكَلَّفَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وَسَلَكَ غَيْرَ مَا أُمِرَ بِهِ. فَلَوْ أَنَّهُ أَصَابَ المَعْنَى فِي نَفْسِ الأَمْرِ لَكَانَ قَدْ أَخْطَأَ؛ لأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ الأَمْرَ مِنْ بَابِهِ، كَمَنْ حَكَمَ بَيْنَ النَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَإِنْ وَافَقَ حُكْمُهُ الصَّوَابَ فِي نَفْسِ الأَمْرِ، لَكِنْ يَكُونُ أَخَفَّ جُرْماً مِمَّنْ أَخْطَأَ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

وَهَكَذَا سَمَّى الله تَعَالَى “القَذَفَةَ” كَاذِبِينَ، فَقَالَ: {فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [النور: 13] فَالقَاذِفُ كَاذِبٌ، وَلَوْ كَانَ قَدْ قَذَف مَنْ زَنَى فِي نَفْسِ الأَمْرِ؛ لأَنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا لَا يَحِلُّ لَهُ الإِخْبَارُ بِهِ، وَتَكَلَّفَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

وَلِهَذَا تَحَرَّجَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ عَنْ تَفْسِيرِ مَا لَا عِلْمَ لَهُمْ به؛ كَمَا رَوَىَ شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: “أَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي، وَأَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، إِذَا قُلْتُ فِي “كِتَابِ اللهِ” مَا لَمْ أَعْلَمْ؟!”.

وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ القَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ العَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: {وَفَاكِهَةً وَأَبّاً} [عبس: 31]. فَقَالَ: “أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إِنْ أَنَا قُلْتُ فِي كِتَابِ اللهِ مَا لَا أَعْلَمُ” -مُنْقَطِعٌ.

وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ أَيْضاً: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ: (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ قَرَأَ عَلَى المِنْبَرِ {وَفَاكِهَةً وَأَبّاً} [عبس: 31]. فَقَالَ: هَذِهِ الفَاكِهَةُ قَدْ عَرَفْنَاهَا، فَمَا الأَبُّ؟ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَهُوَ التَّكَلُّفُ يَا عُمَرُ).

وَقَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: (كنَّا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، وَفِي ظَهْرِ قَمِيصِهِ أَرْبَعُ رِقَاعٍ، فَقَرَأَ: {وَفَاكِهَةً وَأَبّاً} [عبس: 31]. فَقَالَ: مَا الأَبُّ؟ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذَا لَهُوَ التَّكَلُّفُ، فَمَا عَلَيْكَ أَلَّا تَدْرِيَهُ).

وَهَذَا كُلُّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا إِنَّمَا أَرَادَا اسْتِكْشَافَ [عِلْمِ كَيْفِيَّةِ] “الأَبِّ” وَإِلَّا فَكَوْنُهُ نَبْتاً مِنَ الأَرْضِ ظَاهِرٌ لَا يُجْهَلُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً (27) وَعِنَباً وَقَضْباً (28) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (29) وَحَدَائِقَ غُلْباً} [عبس: 27-30].

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرِ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ: (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنْ آيَةٍ لَوْ سُئِلَ عَنْهَا بَعْضُكُمْ لَقَالَ فِيهَا، فَأَبَى أَنْ يَقُولَ فِيهَا). إِسْنَادٌ صَحِيحٌ.

وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أيُّوبَ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: (سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ: {يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ}؟ [السجدة: 5]. فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَمَا: {يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} [المعارج: 4] فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنَّمَا سَأَلْتُكَ لِتُحَدِّثَنِي، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمَا يَوْمَانِ ذَكَرَهُمَا اللهُ فِي “كِتَابِهِ”، وَاللهُ أَعْلَمُ بِهِمَا). فَكَرِهَ أَنْ يَقُولَ فِي كِتَابِ اللهِ مَا لَا يَعْلَمُ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ -يَعْنِي: ابْنَ إِبْرَاهِيمَ-، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّة، عَنْ مَهْدِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ، عَنِ الوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: جَاءَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ إِلَى جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ فَسَأَلَهُ عَنْ آيَةٍ مِنَ “القُرْآنِ”، فَقَالَ: (أُحَرِّجُ عَلَيْكَ إِنْ كُنْتَ مُسْلِماً لَمَّا قُمْتَ عَنِّي. أَوْ قَالَ: أَنْ تُجَالِسَنِي).

وَقَالَ مَالِكٌ: عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، أنَّهُ كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ تَفْسِيرِ آيَةٍ مِنَ “القُرْآنِ” قَالَ: (إِنَّا لَا نَقُولُ فِي “القُرْآنِ” شَيْئاً).

وَقَالَ اللَّيْثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، (أنَّهُ كَانَ لَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا فِي المَعْلُومِ مِنَ “القُرْآنِ”).

وَقَالَ شُعْبَةُ: عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ عَنْ آيَةٍ مِنَ “القُرْآنِ”، فَقَالَ: (لَا تَسْأَلَنِي عَنْ “القُرْآنِ”، وَسَلْ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ) -يَعْنِي عِكْرِمَةَ.

وَقَالَ ابْنُ شَؤْذَبٍ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي يَزِيدَ، قَالَ: (كُنَّا نَسْأَلُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ عَنِ الحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَكَانَ أَعْلَمَ النَّاسِ، فَإِذَا سَأَلْنَاهُ عَنْ تَفْسِيرِ آيَةٍ مِنَ “القُرْآنِ” سَكَتَ، كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْ).

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرِ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: (لَقَدْ أَدْرَكْتُ فُقَهَاءَ “المَدِينَةِ” وَإِنَّهُمْ لَيُعَظِّمُونَ القَوْلَ فِي “التَّفْسِيرِ”؛ مِنْهُمْ: سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَالقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وَنَافِعٌ).

وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ اللَّيْثِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، قَالَ: (مَا سَمِعْتُ أَبِي تَأَوَّلَ آيَةً مِنْ “كِتَابِ اللهِ” قَطُّ).

وَقَالَ أَيُّوبُ وَابْنُ عَوْنٍ وَهِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ: سَأَلْتُ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيَّ عَنْ آيَةٍ مِنَ “القُرْآنِ”، فَقَالَ: (ذَهَبَ الَّذِينَ كَانُوا يَعْلَمُونَ فِيمَ أُنْزِلَ “القُرْآنُ”، فَاتَّقِ اللهَ، وَعَلَيْكَ بِالسَّدَادِ).

وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، عَنْ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: (إِذَا حَدَّثْتَ عَنِ اللهِ فَقِفْ حَتَّى تَنْظُرَ مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ).

حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: (كَانَ أَصْحَابُنَا يَتَّقُونَ “التَّفْسِيرَ” وَيَهَابُونَهُ).

وَقَالَ شُعْبَةُ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ، قَالَ: قَالَ الشُّعْبِيُّ: (وَاللهِ مَا مِنْ “آيَةِ” إِلَّا وَقَدْ سَأَلْتُ عَنْهَا، وَلَكِنَّهَا الرِّوَايَةُ عَنْ اللهِ).

وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَنَا عُمَرُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: (اتَّقُوا “التَّفْسِيرَ”، فَإِنَّمَا هُوَ الرِّوَايَةُ عَنْ اللهِ).

فَهَذِهِ الآثَارُ الصَّحِيحَةُ وَمَا شَاكَلَهَا عَنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ، مَحْمُولَةٌ عَلَى تَحَرُّجِهِمْ عَنِ الكَلَامِ فِي “التَّفْسِيرِ” بِمَا لَا عِلْمَ لَهُمْ بِهِ، فَأَمَّا مَنْ تَكَلَّمَ بِمَا يَعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ لُغَةً وَشَرْعاً فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ.

وَلِهَذَا رُوِيَ عَنْ هَؤُلَاءِ وَغَيْرِهِمْ أَقْوَالٌ فِي “التَّفْسِيرِ”، وَلَا مُنَافَاةَ؛ لأَنَّهُمْ تَكَلَّمُوا فِيمَا عَلِمُوهُ، وَسَكَتُوا عَمَّا جَهِلُوهُ. وَهَذَا هُوَ الوَاجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، فَإِنَّهُ كَمَا يَجِبُ السُّكُوتُ عَمَّا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ القَوْلُ فِيمَا سُئِلَ عَنْهُ مِمَّا يَعْلَمُهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 187] وَلِمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ المَرْوِيِّ مِنْ طُرُقٍ: “مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ؛ أُلْجِمَ يَوْمَ القِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ”.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (التَّفْسِيرُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: وَجْهٌ تَعْرِفُهُ العَرَبُ مِنْ كَلَامِهَا، وَتَفْسِيرٌ لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ بِجَهَالَتِهِ، وَتَفْسِيرٌ يَعْلَمُهُ العُلَمَاءُ، وَتَفْسِيرٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ). وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

0 comments on “كتاب: مقدمة في أصول التفسير

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.