كتاب: شرح الورقات في أصول الفقه

ملخص عن كتاب:  شرح الورقات في أصول الفقه

التصنيف الفرعي للكتاب: أصول فقه 

المؤلفون : جلال الدين المحلي

محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم المحلي الشافعي: أصولي، مفسر. ولد بالقاهرة سنة (791 هـ) عرفه ابن العماد بتفتازاني العرب. وكان مهيبا صداعا بالحق، يواجه بذلك الظلمة الحكام، ويأتون إليه، فلا يأذن لهم. وعرض عليه القضاء فامتنع. توفي في القاهرة سنة (864 هـ).


[المقدمة]

بسم الله الرحمن الرحيم 

وبه ثقتي

الحمد لله رب العالمين والصلاة على سيد المرسلين محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد.

هذه ورقات قليلة، تشتمل على معرفة فصول من أصول الفقه، ينتفع بها المبتدئ وغيره.

.[تعريف أصول الفقه باعتباره مركباً إضافياً]

وذلك أي لفظ أصول الفقه، مؤلف من جزئين أحدهما أصول والآخر الفقه مفردين من الإفراد مقابل التركيب لا التثنية والجمع، والمؤلف يعرف بمعرفة ما ألف منه.

.[تعريف الأصل]

فالأصل الذي هو مفرد الجزء] الأول ما يبنى عليه غيره، كأصل الجدار أي أساسه وأصل الشجرة أي طرفها الثابت في الأرض.

.[تعريف الفرع]

والفرع الذي هو مقابل الأصل ما يبنى على غيره] كفروع الشجرة لأصلها وفروع الفقه لأصوله.

.[تعريف الفقه لغةً واصطلاحاً]

والفقه الذي هو الجزء الثاني، له معنى لغوي وهو الفهم.

ومعنى شرعي وهو معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد، كالعلم بأن النية في الوضوء واجبة، وأن الوتر مندوب، وأن النية من الليل شرط في صوم رمضان، وأن الزكاة واجبة في مال الصبي، وغير واجبة في الحلي المباح، وأن القتل بمثقل يوجب القصاص، ونحو ذلك من مسائل الخلاف، بخلاف ما ليس طريقه الاجتهاد، كالعلم بأن الصلوات الخمس واجبة، وأن الزنا محرم، ونحو ذلك من المسائل القطعية فلا يسمى فقهاً فالمعرفة هنا العلم بمعنى الظن.

.[أقسام الحكم الشرعي]

والأحكام المرادة فيما ذكر سبعة: الواجب والمندوب والمباح والمحظور والمكروه والصحيح والباطل.

فالفقه العلم بالواجب والمندوب إلى آخر السبعة.

أي بأن هذا الفعل واجب وهذا مندوب وهذا مباح وهكذا إلى آخر جزيئات السبعة.

.[تعريف الواجب]

فالواجب من حيث وصفه بالوجوب ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه.

ويكفي في صدق العقاب وجوده لواحد من العصاة مع العفو عن غيره.

ويجوز أن يريد ويترتب العقاب على تركه كما عبر به غيره فلا ينافي العفو.

.[تعريف المندوب]

والمندوب من حيث وصفه بالندب ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه.

.[تعريف المباح]

والمباح من حيث وصفه بالإباحة ما لا يثاب على فعله وتركه، ولا يعاقب على تركه 

وفعله أي ما لا يتعلق بكل من فعله وتركه ثواب ولا عقاب.

.[تعريف المحظور]

والمحظور من حيث وصفه بالحظر أي الحرمة ما يثاب على تركه امتثالاً ويعاقب على فعله.

ويكفي في صدق العقاب وجوده لواحد من العصاة مع العفو عن غيره.

ويجوز أن يريد ويترتب العقاب على فعله كما عبر به غيره فلا ينافي العفو.

.[تعريف المكروه]

والمكروه من حيث وصفه بالكراهة، ما يثاب على تركه امتثالاً ولا يعاقب على فعله.

.[تعريف الصحيح]

والصحيح من حيث وصفه بالصحة، ما يتعلق به النفوذ ويعتد به، بأن استجمع ما يعتبر فيه شرعاً، عقداً كان أو عبادة.

.[تعريف الباطل]

والباطل من حيث وصفه بالبطلان ما لا يتعلق به النفوذ ولا يعتد به، بأن لم يستجمع ما يعتبر فيه شرعاً، عقداً كان أو عبادة. والعقد يتصف بالنفوذ والاعتداد. والعبادة تتصف بالاعتداد فقط اصطلاحاً.

.[الفرق بين الفقه والعلم]

والفقه بالمعنى الشرعي أخص من العلم لصدق العلم بالنحو وغيره، فكل فقه علم، وليس كل علم فقهاً.

.[تعريف العلم]

والعلم معرفة المعلوم، أي إدراك ما من شأنه أن يعلم على ما هو به في الواقع، كإدراك الإنسان بأنه حيوان ناطق.

.[تعريف الجهل وأقسامه]

والجهل تصور الشيء، أي إدراكه على خلاف ما هو به في الواقع، كإدراك الفلاسفة أن العالم وهو ما سوى الله تعالى قديم.

وبعضهم وصف هذا الجهل بالمركب، وجعل البسيط عدم العلم بالشيء، كعدم علمنا بما تحت الأرضين، وبما في بطون البحار.

وعلى ما ذكره المصنف لا يسمى هذا جهلاً.

.[تعريف العلم الضروري]

والعلم الضروري ما لم يقع عن نظر واستدلال، كالعلم الواقع بإحدى الحواس الخمس الظاهرة، وهي 

السمع والبصر واللمس والشم والذوق فإنه يحصل بمجرد الإحساس بها من غير نظر واستدلال.

.[تعريف العلم المكتسب]

وأما العلم المكتسب فهو الموقوف على النظر والاستدلال، كالعلم بأن العالم حادث، فإنه موقوف على النظر في العالم وما نشاهده فيه من التغير، فينتقل من تغيره إلى حدوثه.

.[تعريف النظر]

والنظر هو الفكر في حال المنظور فيه ليؤدي إلى المطلوب.

.[تعريف الاستدلال]

والاستدلال طلب الدليل ليؤدي إلى المطلوب فمؤدى النظر 

والاستدلال واحد فجمع المصنف بينهما في الإثبات والنفي تأكيداً.

.[تعريف الدليل]

والدليل هو المرشد إلى المطلوب، لأنه علامة عليه.

.[تعريف الظن]

والظن تجويز أمرين أحدهما أظهر من الآخر عند المجوز.

.[تعريف الشك]

والشك تجويز أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر عند المجوز، فالتردد في قيام زيد ونفيه على السواء شك، ومع رجحان الثبوت أو الانتفاء ظن.

.[تعريف أصول الفقه باعتباره عَلَمَاً]

وأصول الفقه الذي وضع فيه هذه الورقات طرقه، أي طرق الفقه على سبيل الإجمال كمطلق الأمر والنهي وفعل النبي – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – والإجماع والقياس والاستصحاب، من حيث البحث عن أولها بأنه للوجوب والثاني بأنه للحرمة والباقي بأنها حجج وغير ذلك مما سيأتي مع ما يتعلق به بخلاف طرقه على سبيل التفصيل نحو {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا} «وصلاته – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – في الكعبة» كما أخرجه الشيخان.

والإجماع على أن لبنت الابن السدس مع بنت الصلب حيث لا عاصب لهما.

وقياس الأرز على البر في امتناع بيع بعضه ببعض، إلا مثلاً بمثل يداً بيد، كما رواه مسلم.

واستصحاب الطهارة لمن شك في بقائها، فليست من أصول الفقه وإن ذكر بعضها في كتبه تمثيلاً.

وكيفية الاستدلال بها أي بطرق الفقه من حيث تفصيلها عند تعارضها لكونها ظنية من تقديم الخاص على العام والمقيد على المطلق وغير ذلك.

وكيفية الاستدلال بها تجر إلى صفات من يستدل بها وهو المجتهد. فهذه الثلاثة هي الفن المسمى بأصول الفقه لتوقف الفقه عليه.

.[أبواب أصول الفقه]

وأبواب أصول الفقه أقسام الكلام والأمر والنهي والعام والخاص ويذكر فيه المطلق والمقيد والمجمل والمبين والظاهر، وفي بعض النسخ والمؤول وسيأتي.

والأفعال والناسخ والمنسوخ والإجماع والأخبار والقياس والحظر والإباحة وترتيب الأدلة وصفة المفتي والمستفتي وأحكام المجتهدين.

.[أقسام الكلام باعتبار ما يتركب منه]

فأما أقسام الكلام فأقل ما يتركب منه الكلام اسمان نحو زيد قائم أو اسم وفعل نحو قام زيد أو فعل وحرف نحو ما قام.

أثبته بعضهم ولم يعد الضمير في قام الراجع إلى زيد مثلاً لعدم ظهوره.

والجمهور على عدِّه كلمة.

أو اسم وحرف، وذلك في النداء نحو يا زيد وإن كان المعنى أدعو أو أنادي زيداً.

.[أقسام الكلام باعتبار مدلوله]

والكلام ينقسم إلى أمر ونهي نحو قم ولا تقعد.

وخبر نحو جاء زيد.

واستخبار وهو الاستفهام نحو هل قام زيد؟ فيقال: نعم أو لا.

وينقسم أيضاً: إلى تمنٍ … نحو ليت الشباب يعود.

وعرض نحو ألا تنزل عندنا.

وقسم نحو والله لأفعلن كذا.

.[أقسام الكلام باعتبار استعماله]

ومن وجه آخر ينقسم إلى حقيقة ومجاز.

.[تعريف الحقيقة]

فالحقيقة ما بقي في الاستعمال على موضوعه.

وقيل ما استعمل فيما اصطلح عليه من المخاطبة، وإن لم يبق على موضوعه كالصلاة في الهيئة المخصوصة، فإنه لم يبق على موضوعه اللغوي، وهو الدعاء بخير.

والدابة لذات الأربع كالحمار، فإنه لم يبق على موضوعه، وهو كل ما يدب على الأرض.

.[تعريف المجاز]

والمجاز ما تجوز أي تعدي به عن موضوعه هذا على المعنى الأول للحقيقة.

وعلى الثاني هو ما استعمل في غير ما اصطلح عليه من المخاطبة.

.[أقسام الحقيقة]

والحقيقة إما لغوية بأن وضعها أهل اللغة كالأسد للحيوان المفترس.

وإما شرعية بأن وضعها الشارع كالصلاة للعبادة المخصوصة.

وإما عرفية بأن وضعها أهل العرف العام كالدابة لذات الأربع كالحمار، وهي لغة لكل ما يدب على الأرض.

أو الخاص كالفاعل للاسم المرفوع عند النحاة.

وهذا التقسيم ماشٍ على التعريف الثاني للحقيقة دون الأول القاصر على اللغوية.

.[أقسام المجاز]

والمجاز إما أن يكون بزيادة أو نقصان أو نقل أو استعارة، فالمجاز بالزيادة مثل قوله تعالى {ليَسَ كَمِثْلِهِ شيىء}، فالكاف زائدة وإلا فهي بمعنى مثل فيكون له تعالى مثل وهو محال، والقصد بهذا الكلام نفيه.

والمجاز بالنقصان مثل قوله تعالى {وَاسألِ القَرْيَةَ} أي أهل القرية.

وقَرُب صدق تعريف المجاز على ما ذكر بأنه استعمل نفي مثل المثل في نفي المثل وسؤال القرية في سؤال أهلها.

والمجاز بالنقل كالغائط فيما يخرج من الإنسان نقل إليه عن حقيقته وهي المكان المطمئن من الأرض] تقضى فيه الحاجة بحيث لا يتبادر منه عرفاً إلا الخارج.

والمجاز بالاستعارة كقوله تعالى: {جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} أي يسقط فشبه ميله إلى السقوط بإرادة السقوط] التي هي من صفات الحي دون الجماد.

والمجاز المبني على التشبيه يسمى استعارة.

.[تعريف الأمر وبيان دلالة صيغة إفعل]

والأمر استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب، فإن كان الاستدعاء من المساوي سمي التماساً أو من الأعلى سمي سؤالاً، وإن لم يكن على سبيل الوجوب بأن جوز 

الترك فظاهره أنه ليس بأمر أي في الحقيقة.

وصيغته الدالة عليه إفعل نحو اضرب وأكرم واشرب، وهي عند الإطلاق والتجرد عن القرينة الصارفة عن طلب الفعل تحمل عليه أي على الوجوب نحو: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ}، إلا ما دل الدليل على أن المراد منه الندب أو الإباحة فيحمل عليه] أي على الندب أو الإباحة.

مثال الندب {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا}، ومثال الإباحة {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا}، وقد أجمعوا على عدم وجوب الكتابة والاصطياد.

.[هل الأمر يقتضي التكرار؟]

ولا يقتضي التكرار على الصحيح، لأن ما قصد به من تحصيل المأمور به يتحقق بالمرة الواحدة، والأصل براءة الذمة مما زاد عليها، إلا إذا دل الدليل على قصد التكرار، فيعمل به كالأمر بالصلوات الخمس، والأمر بصوم رمضان.

ومقابل الصحيح أنه يقتضي التكرار، فيستوعب المأمور بالمطلوب ما يمكنه من زمان العمر، حيث لا بيان لأمد المأمور به، لانتفاء مرجح بعضه على بعض.

.[هل الأمر يقتضي الفور أم لا؟]

ولا يقتضي الفور، لأن الغرض منه إيجاد الفعل من غير اختصاص بالزمان الأول دون الزمان الثاني].

وقيل يقتضي الفور، وعلى ذلك بني قول من قال يقتضي التكرار.

.[ما لا يتم الواجب إلا به]

والأمر بإيجاد الفعل أمر به وبما لا يتم الفعل إلا به، كالأمر بالصلاة أمر بالطهارة المؤدية إليها، فإن الصلاة لا تصح بدون الطهارة.

.[خروج المأمور عن عهدة الأمر]

وإذا فُعِلَ بالبناء للمفعول، أي المأمور به، يخرج المأمور عن العهدة، أي عهدة الأمر. ويتصف الفعل بالإجزاء.

.[الذي يدخل في الأمر والنهي وما لا يدخل]

الذي يدخل في الأمر والنهي وما لا يدخل هذه ترجمة. يدخل في خطاب الله تعالى المؤمنون، وسيأتي الكلام في الكفار. والساهي والصبي والمجنون، غير داخلين في الخطاب، لانتفاء التكليف عنهم. ويؤمر الساهي بعد ذهاب السهو عنه بجبر خلل السهو، كقضاء ما فاته من الصلاة، وضمان ما أتلفه من المال.

.[هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة أم لا؟]

والكفار مخاطبون بفروع الشرائع وبما لا تصح إلا به وهو الإسلام لقوله تعالى حكاية عن الكفار {ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} وفائدة خطابهم بها عقابهم عليها إذ لا تصح منهم حال الكفر لتوقفها على النية المتوقفة على الإسلام ولا يؤاخذون بها بعد الإسلام ترغيباً فيه.

.[هل الأمر بالشيء نهي عن ضده؟]

والأمر بالشيء نهي عن ضده.

.[النهي عن الشي أمر بضده]

والنهي عن الشيء أمر بضده، فإذا قال له: اسكن كان ناهياً له عن التحرك، أو لا تتحرك، كان آمراً له بالسكون.

.[تعريف النهي]

والنهي استدعاء أي طلب الترك بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب، على وزان ما تقدم في حد الأمر.

.[النهي يدل على فساد المنهي عنه]

ويدل النهي المطلق شرعاً على فساد المنهي عنه في العبادات، سواء نهي عنها لعينها كصلاة الحائض وصومها أو لأمر لازم لها كصوم يوم النحر والصلاة في الأوقات المكروهة.

وفي المعاملات إن رجع إلى نفس العقد كما في بيع الحصاة. أو لأمر داخل فيه كبيع الملاقيح. أو لأمر خارج عنه لازم له كما في بيع درهم بدرهمين، فإن كان غير لازم له، كالوضوء بالماء المغصوب مثلاً، وكالبيع وقت نداء الجمعة لم يدل على الفساد خلافاً لما يفهمه كلام المصنف.

.[معاني صيغة الأمر]

وترد أي توجد صيغة الأمر والمراد به أي بالأمر الإباحة كما تقدم.

أو التهديد نحو {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ}.

أو التسوية نحو {فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا}.

أو التكوين نحو {كُونُوا قِرَدَةً}.

.[تعريف العام]

وأما العام فهو ما عم شيئين فصاعداً من غير حصر،

من قوله عممت زيداً وعمراً بالعطاء، وعممت جميع الناس بالعطاء أي شملتهم به، ففي العام شمول.

.[صيغ العموم]

وألفاظه الموضوعة له أربعة: الاسم الواحد المعرف بالألف واللام، نحو {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَءَامَنُوا}.

واسم الجمع المعرف باللام نحو {فاقتلوا المشركين}.

والأسماء المبهمة كمن فيمن يعقل، كمن دخل داري فهو آمن 

وما فيما لا يعقل، نحو ما جاءني منك أخذته.

وأي استفهامية أو شرطية أو موصولة] في الجميع، أي من يعقل وما لا يعقل، نحو أي عبيدي جاءك أحسن إليه، وأي الأشياء أردت أعطيتكه.

وأين في المكان نحو أين ما تكن أكن معك.

ومتى في الزمان، نحو متى شئت جئتك.

وما في الاستفهام، نحو ما عندك؟.

والجزاء، نحو ما تعمل تجز به.

وفي نسخة والخبر بدل الجزاء نحو علمت ما عملت.

وغيره كالخبر على النسخة الأولى والجزاء على الثانية. ولا في النكرات نحو لا رجل في الدار.

.[العموم من صفات الألفاظ والفعل لا عموم له]

والعموم من صفات النطق ولا يجوز دعوى العموم في غيره من الفعل وما يجري مجراه، كما في جمعه – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بين الصلاتين في السفر رواه البخاري، فإنه لا يعم السفر الطويل والقصير، فإنه إنما يقع في واحد منهما.

وكما في قضائه – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بالشفعة للجار. رواه النسائي عن الحسن مرسلاً، فإنه لا يعم كل جار، لاحتمال خصوصية في ذلك الجار.

.[تعريف الخاص والتخصيص]

والخاص يقابل العام، فيقال فيه ما لا يتناول شيئين فصاعداً من غير حصر، نحو رجل ورجلين وثلاثة رجال.

والتخصيص تمييز بعض الجملة أي إخراجه كإخراج المعاهدين من قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ}.

.[أقسام المخصص]

وهو ينقسم إلى متصل ومنفصل:

.[أنواع المخصص المتصل]

فالمتصل الاستثناء وسيأتي مثاله. والشرط نحو أكرم بني تميم إن جاؤوك، أي الجائين منهم. والتقييد بالصفة، نحو أكرم بني تميم الفقهاء.

.[أولاً: الاستثناء وشروطه]

والاستثناء إخراج ما لولاه لدخل في الكلام، نحو جاء القوم إلا زيداً.

.[الشرط الأول]

وإنما يصح الاستثناء بشرط أن يبقى من المستثنى منه شيء، نحو له عليَّ عشرة إلا تسعة، فلو قال إلا عشرة، لم يصح، وتلزمه العشرة.

.[الشرط الثاني]

ومن شرطه أن يكون متصلاً بالكلام، فلو قال جاء الفقهاء، ثم قال بعد يوم إلا زيداً، لم يصح.

جواز تقديم المستثنى على المستثنى منه وجواز الاستثناء من الجنس وغيره]

ويجوز تقديم المستثنى على المستثنى منه، نحو ما قام إلا زيداً أحدٌ.

ويجوز الاستثناء من الجنس كما تقدم.

ومن غيره، نحو جاء القوم إلا الحمير.

.[ثانياً: الشرط]

والشرط المخصص، يجوز أن يتقدم على المشروط نحو إن جاءك بنو تميم فأكرمهم.

.[ثالثاً: الصفة]

والمقيد بالصفة يحمل عليه المطلق، كالرقبة قيدت بالإيمان في بعض المواضع، كما في كفارة القتل.

وأطلقت في بعض المواضع، كما في كفارة الظهار، ] فيحمل المطلق على المقيد احتياطاً.

.[التخصيص المنفصل: تخصيص الكتاب بالكتاب]

ويجوز تخصيص الكتاب بالكتاب، نحو قوله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ}، خصَّ بقوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} أي حلٌ لكم.

.[تخصيص الكتاب بالسنة]

وتخصيص الكتاب بالسنة، كتخصيص قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُم} إلى آخر الآية الشامل للولد الكافر بحديث الصحيحين: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم».

.[تخصيص السنة بالكتاب]

وتخصيص السنة بالكتاب، كتخصيص حديث الصحيحين: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ»، بقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى} إلى قوله {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} وإن وردت السنة بالتيمم أيضاً بعد نزول الآية ].

.[تخصيص السنة بالسنة]

وتخصيص السنة بالسنة كتخصيص حديث الصحيحين: «فيما سقت السماء العشر» بحديثهما «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة».

.[تخصيص الكتاب والسنة بالقياس]

وتخصيص النطق بالقياس، ونعني بالنطق قول الله تعالى وقول الرسول – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لأن القياس يستند إلى نص من كتاب أو سنة فكأنه المخصص.

.[تعريف المجمل والبيان]

والمجمل ما يفتقر إلى البيان، نحو (ثلاثة قروء) فإنه يحتمل الأطهار والحيض لاشتراك القرء بين الحيض والطهر.

والبيان إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي أي الاتضاح والمبين هو النص.

.[تعريف النص]

والنص ما لا يحتمل إلا معنى واحداً، كزيد في رأيت زيداً.

وقيل ما تأويله تنزيله، نحو {فصيام ثلاثة أيام}، فإنه بمجرد ما ينزل يفهم معناه.

وهو مشتق من منصة العروس، وهو الكرسي، لارتفاعه على غيره في فهم معناه من غير توقف.

.[تعريف الظاهر]

والظاهر ما احتمل أمرين أحدهما أظهر من الآخر، كالأسد في رأيت اليوم أسداً، فإنه ظاهر في الحيوان المفترس، لأن المعنى الحقيقي محتمل للرجل الشجاع بدله فإن حمل اللفظ على المعنى الآخر سمي مؤولاً وإنما يؤول بالدليل كما قال.

ويؤول الظاهر بالدليل ويسمى ظاهراً بالدليل، أي كما يسمى مؤولاً، ومنه قوله تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ} ظاهره جمع يد، وذلك محال في حق الله تعالى فصرف إلى معنى القوة بالدليل العقلي القاطع 

.[أفعال الرسول – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -]

الأفعال هذه ترجمة.

فعل صاحب الشريعة يعني النبي – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لا يخلو إما أن يكون على وجه القربة والطاعة أو لا يكون فإن كان على وجه القربة والطاعة.

.[الأفعال المختصة بصاحب الشريعة]

فإن دل دليل على الاختصاص به يحمل علىالاختصاص، كزيادته – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – في النكاح على أربع نسوة.

.[الأفعال غير المختصة بصاحب الشريعة]

وإن لم يدل لا يختص به، لأن الله تعالى قال {لقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } فيحمل على الوجوب عند بعض أصحابنا.

في حقه وحقنا لأنه الأحوط.

ومن أصحابنا من قال يحمل على الندب، لأنه المتحقق بعد الطلب.

ومنهم من قال يتوقف فيه، لتعارض الأدلة في ذلك.

وإن كان على وجه غير وجه القربة والطاعة، فيحمل على الإباحة، في حقه وحقنا.

.[إقرار الرسول – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -]

وإقرار صاحب الشريعة – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – على القول من أحد هو قول صاحب الشريعة أي كقوله – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

وإقراره على الفعل من أحد كفعله، لأنه معصوم عن أن يقر أحداً على منكر، مثال ذلك إقراره – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أبا بكر على قوله بإعطاء سلب القتيل لقاتله.

وإقراره خالد بن الوليد على أكل الضب متفق عليهما.

وما فُعِلَ في وقته – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – في غير مجلسه وعلم به ولم ينكره، فحكمه حكم ما فُعِلَ في مجلسه، كعلمه بحلف أبي بكر – رضي الله عنه – أنه لا يأكل الطعام في وقت غيظه ثم أكل لما رأى الأكل خيراً، كما يؤخذ من حديث مسلم في الأطعمة.

.[تعريف النسخ]

.[تعريفه لغة ً]

وأما النسخ فمعناه لغة الإزالة، يقال نسخت الشمس الظل إذا أزالته ورفعته بانبساطها.

وقيل معناه النقل من قولهم نسخت ما في هذا الكتاب إذا نقلته بأشكال كتابته.

.[تعريفه اصطلاحاً]

وحدُّه شرعاً الخطاب الدال على رفع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتاً مع تراخيه عنه هذا حد للناسخ.

ويؤخذ منه حد النسخ بأنه رفع الحكم المذكور بخطاب إلى آخره، أي رفع تعلقه بالفعل، فخرج بقوله الثابت بالخطاب، رفع الحكم الثابت بالبراءة الأصلية، أي عدم التكليف بشيء.

وبقولنا بخطاب المأخوذ من كلامه الرفع بالموت والجنون.

وبقوله على وجه إلى آخره، ما لو كان الخطاب الأول مغياً بغاية أو معللاً بمعنى، وصرح الخطاب الثاني بمقتضى ذلك.

فإنه لا يسمى ناسخاً للأول مثاله قوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ}، فتحريم البيع مغيا بانقضاء الجمعة، فلا يقال إن قوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} ناسخ للأول بل بيَّن غاية التحريم.

وكذا قوله تعالى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا} لا يقال نسخه قوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} لأن التحريم للإحرام وقد زال.

وخرج بقوله مع تراخيه عنه، ما اتصل بالخطاب من صفة أو شرط أو استثناء.

.[أنواع النسخ في القرآن الكريم]

ويجوز نسخ الرسم وبقاء الحكم، نحو {الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة}.

قال عمر – رضي الله عنه -: (فإنَّا قد قرأناها) رواه الشافعي وغيره.

«وقد رجم – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – المحصنين» متفق عليه. وهما المراد بالشيخ والشيخة.

ونسخ الحكم وبقاء الرسم نحو {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ} نسخ بآية {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا}. 

ونسخ الأمرين معاً نحو حديث مسلم عن عائشة رضي الله عنها «كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات يحرمن » فنسخن «بخمس معلومات يحرمن ».

وينقسم النسخ إلى بدل وإلى غير بدل الأول كما في نسخ استقبال بيت المقدس باستقبال الكعبة وسيأتي.

والثاني كما في نسخ قوله تعالى: {إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً}. وإلى ما هو أغلظ كنسخ التخيير بين صوم رمضان والفدية إلى تعيين الصوم قال الله تعالى {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} إلى قوله {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}.

وإلى ما هو أخف كنسخ قوله تعالى {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ}بقوله تعالى {فإن تكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين}.

.[مسائل النسخ بين الكتاب والسنة]

ويجوز نسخ الكتاب بالكتاب كما تقدم في آيتي العدة وآيتي المصابرة.

ونسخ السنة بالكتاب كما تقدم في نسخ استقبال بيت المقدس الثابت بالسنة الفعلية كما في حديث الصحيحين بقوله تعالى {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}.

وبالسنة نحو حديث مسلم «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها».

وسكت عن نسخ الكتاب بالسنة وقد قيل بجوازه ومثل له بقوله تعالى {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} مع حديث الترمذي وغيره «لا وصية لوارث».

واعترض بأنه خبر واحد، وسيأتي أنه لا ينسخ المتواتر بالآحاد.

وفي نسخة ولا يجوز نسخ الكتاب بالسنة أي بخلاف تخصيصه بها كما تقدم لأن التخصيص أهون من النسخ.

ويجوز نسخ المتواتر بالمتواتر، 

.[ونسخ الآحاد بالآحاد وبالمتواتر.

ولا يجوز نسخ المتواتر كالقرآن بالآحاد، لأنه دونه في القوة. والراجح جواز ذلك، لأن محل النسخ هو الحكم والدلالة عليه بالمتواتر ظنية كالآحاد.

.[التعارض]

فصل في التعارض.

.[تعارض النصوص]

إذا تعارض نطقان، فلا يخلو إما أن يكونا عامين أو خاصين أو أحدهما عاماً والآخر خاصاً أو كل واحد منهما عاماً من وجه وخاصاً من وجه.

.[تعارض العامين]

فإن كانا عامين فإن أمكن الجمع بينهما جمع بحمل كل منهما على حال، مثاله حديث «شر الشهود الذي يشهد قبل أن يستشهد»، وحديث «خير الشهود الذي يشهد قبل أن يستشهد» فحمل الأول على ما إذا كان من له الشهادة عالماً بها.

والثاني على ما إذا لم يكن عالماً بها.

والثاني رواه مسلم بلفظ «ألا أخبركم بخير الشهود الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها».

والأول متفق على معناه في حديث «خيركم قرني ثم الذي يلونهم» إلى قوله «ثم يكون بعدهم قوم يشهدون قبل أن يستشهدوا».

وإن لم يمكن الجمع بينهما، يتوقف فيهما إن لم يعلم التاريخ، أي إلى أن يظهر مرجح أحدهما، مثاله قوله تعالى {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهمْ} وقوله تعالى {وَأَنْ تجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} فالأول يجوز… جمع الأختين

بملك اليمين.

والثاني يحرم ذلك، فرجح التحريم لأنه أحوط.

فإن علم التاريخ فينسخ المتقدم بالمتأخر كما في آيتي عدة الوفاة وآيتي المصابرة وقد تقدمت الأربع.

.[تعارض الخاصين]

وكذا إن كانا خاصين أي فإن أمكن الجمع بينهما جمع كما في حديث «أنه – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – توضأ وغسل رجليه» وهذا مشهور في الصحيحين وغيرهما.

وحديث «أنه – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – توضأ ورش الماء على قدميه وهما في النعلين» رواه النسائي والبيهقي وغيرهما.

فجمع بينهما بأن الرش في حال التجديد لما في بعض الطرق «أن هذا وضوء من لم يحدث».

وإن لم يمكن الجمع بينهما ولم يعلم التاريخ يتوقف فيهما إلى ظهور مرجح لأحدهما، مثاله ما جاء «أنه – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – سئل عما يحل للرجل من امرأته وهي حائض فقال: ما فوق الإزار» رواه أبو داود.

وجاء أنه – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قال «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» أي الوطء رواه مسلم.

ومن جملته الوطء فيما فوق الإزار. فتعارضا فيه فرجح بعضهم التحريم احتياطاً، وبعضهم الحل لأنه الأصل في المنكوحة.

وإن علم التاريخ نسخ المتقدم بالمتأخر كما تقدم في حديث زيارة القبور.

.[تعارض العام مع الخاص]

وإن كان أحدهما عاماً والآخر خاصاً فيخص العام بالخاص، كتخصيص حديث الصحيحين «فيما سقت السماء العشر» بحديثهما «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» كما تقدم.

وإن كان كل واحد منهما عاماً من وجه وخاصاً من وجه، فيخص عموم كل واحد منهما بخصوص الآخر بأن يمكن ذلك، مثاله حديث أبي داود وغيره «إذا بلغ الماء قلتين فإنه لا ينجس» مع حديث ابن ماجة وغيره «الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه».

فالأول خاص بالقلتين عام في المتغير وغيره. والثاني خاص في المتغير عام في القلتين وما دونهما فخص عموم الأول بخصوص الثاني حتى يحكم بأن ماء القلتين ينجس بالتغير وخص عموم الثاني بخصوص الأول حتى يحكم بأن ما دون القلتين ينجس وإن لم يتغير.

فإن لم يمكن تخصيص عموم كل منهما بخصوص الآخر احتيج إلى الترجيح بينهما فيما تعارضا فيه مثاله حديث البخاري «من بدل دينه فاقتلوه» وحديث الصحيحين «أنه – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – نهى عن قتل النساء» فالأول عام في الرجال والنساء خاص بأهل الردة.

والثاني خاص بالنساء عام في الحربيات والمرتدات فتعارضا في المرتدة هل تقتل أم لا؟ والراجح أنها تقتل.

.[تعريف الإجماع وبيان حجيته]

وأما الإجماع فهو اتفاق علماء أهل العصر على حكم الحادثة فلا يعتبر وفاق العوام لهم.

ونعني بالعلماء الفقهاء فلا يعتبر موافقة الأصوليين لهم.

ونعني بالحادثة الحادثة الشرعية، لأنها محل نظر الفقهاء بخلاف اللغوية مثلاً، فإنما يجمع فيها علماء اللغة.

وإجماع هذه الأمة حجة دون غيرها لقوله – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – «لا تجتمع أمتي على ضلالة» رواه الترمذي وغيره.

والشرع ورد بعصمة هذه الأمة لهذا الحديث ونحوه.

والإجماع حجة على العصر الثاني ومن بعده وفي أي عصر كان من عصر الصحابة ومن بعدهم.

.[هل يشترط انقراض العصر في حجية الإجماع؟]

ولا يشترط في حجيته انقراض العصر، بأن يموت أهله على الصحيح، لسكوت أدلة الحجية عنه.

وقيل يشترط، لجواز أن يطرأ لبعضهم ما يخالف اجتهاده فيرجع عنه.

وأجيب بأنه لا يجوز له الرجوع عنه، لإجماعهم عليه.

فإن قلنا انقراض العصر شرط، فيعتبر في انعقاد الإجماع، قول من ولد في حياتهم وتفقه وصار من أهل الاجتهاد، ولهم على هذا القول أن يرجعوا عن ذلك الحكم، الذي أدى اجتهادهم إليه.

.[الإجماع السكوتي]

والإجماع يصح بقولهم وبفعلهم كأن يقولوا بجواز شيء أو يفعلوه فيدل فعلهم له على جوازه لعصمتهم كما تقدم.

وبقول البعض وفعل البعض وانتشار ذلك القول أو الفعل وسكوت الباقين عنه ويسمى ذلك بالإجماع السكوتي.

.[حجية قول الصحابي]

وقول الواحد من الصحابة ليس بحجة على غيره على القول الجديد.

وفي القديم حجة لحديث «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم»، وأجيب بضعفه.

.[الأخبار]

.[تعريف الخبر وأقسامه]

وأما الأخبار فالخبر ما يدخله الصدق والكذب، لاحتماله لهما من حيث إنه خبر كقولك قام زيد يحتمل أن يكون صدقاً وأن يكون كذباً وقد يقطع بصدقه أو كذبه لأمر خارجي.

الأول كخبر الله تعالى.

والثاني كقولك الضدان يجتمعان.

والخبر ينقسم إلى قسمين آحاد ومتواتر.

.[تعريف المتواتر]

فالمتواتر ما يوجب العلم وهو أن يروي جماعة لا يقع التواطؤ على الكذب عن مثلهم وهكذا إلى أن ينتهي إلى المخبر عنه فيكون في الأصل عن مشاهدة أو سماع لا عن اجتهاد كالإخبار عن مشاهدة مكة أو سماع خبر الله تعالى من النبي – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بخلاف الإخبار عن مجتهد فيه كإخبار الفلاسفة بقدم العالم.

.[خبر الآحاد وأقسامه]

والآحاد وهو مقابل المتواتر هو الذي يوجب العمل ولا يوجب العلم لاحتمال الخطأ فيه.

وينقسم إلى قسمين مرسل ومسند.

.[المسند]

فالمسند ما اتصل إسناده بأن صرح برواته كلهم.

.[المرسل وحجيته]

والمرسل ما لم يتصل إسناده بأن أسقط بعض رواته.

فإن كان من مراسيل غير الصحابة رضي الله عنهم فليس بحجة لاحتمال أن يكون الساقط مجروحاً، إلا مراسيل سعيد بن المسيب من التابعين أسقط الصحابي وعزاها للنبي – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فهي حجة، فإنها فتشت أي فتش عنها فوجدت مسانيد أي رواها له الصحابي الذي أسقطه عن النبي – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهو في الغالب صهره أبو زوجته أبو هريرة – رضي الله عنه -.

أما مراسيل الصحابة بأن يروي صحابي عن صحابي عن النبي – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ثم يسقط الثاني، فحجة لأن الصحابة كلهم عدول.

.[الإسناد المعنعن]

والعنعنة بأن يقال حدثنا فلان عن فلان إلى آخره، تدخل على الإسناد، أي على حكمه فيكون الحديث المروي بها في حكم المسند، لا المرسل لاتصال سنده في الظاهر.

.[ألفاظ الرواية عند غير الصحابي]

وإذا قرأ الشيخ وغيره يسمعه يجوز للراوي أن يقول حدثني وأخبرني.

وإن قرأ هو على الشيخ، يقول أخبرني ولا يقول حدثني، لأنه لم يحدثه. ومنهم من أجاز حدثني.

وعليه عرف أهل الحديث لأن القصد الإعلام بالرواية عن الشيخ.

وإن أجازه الشيخ من غير قراءة، فيقول أجازني أو أخبرني إجازة.

.[القياس]

.[تعريف القياس]

وأما القياس فهو رد الفرع إلى الأصل بعلة تجمعهما في الحكم، كقياس الأرز على البر في الربا بجامع الطعم.

.[أقسام القياس]

وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

إلى قياس علة وقياس دلالة وقياس شبه 

.[قياس العلة]

فقياس العلة ما كانت العلة فيه موجبة للحكم، بحيث لا يحسن عقلاً تخلفه عنها كقياس الضرب على التأفيف للوالدين في التحريم بعلة الإيذاء.

.[قياس الدلالة]

وقياس الدلالة هو الاستدلال بأحد النظيرين على الآخر، وهو أن تكون العلة دالة على الحكم، ولا تكون موجبة للحكم، كقياس مال الصبي على مال البالغ في وجوب الزكاة فيه بجامع أنه مال نام.

ويجوز أن يقال لا تجب في مال الصبي كما قال به أبو حنيفة.

.[قياس الشبه]

وقياس الشبه هو الفرع المتردد بين أصلين، فيلحق بأكثرهما شبهاً كما في العبد إذا أتلف فإنه متردد في الضمان بين الإنسان الحر من حيث أنه آدمي، وبين البهيمة من حيث أنه مال، وهو بالمال أكثر شبهاً من الحر، بدليل أنه يباع ويورث ويوقف وتضمن أجزاؤه بما نقص من قيمته.

.[بعض شروط الفرع والأصل]

ومن شرط الفرع أن يكون مناسباً للأصل فيما يجمع به بينهما للحكم، أي أن يجمع بينهما بمناسب للحكم .

ومن شرط الأصل أن يكون ثابتاً بدليل متفق عليه بين الخصمين، ليكون القياس حجة على الخصم.

فإن لم يكن خصم فالشرط ثبوت حكم الأصل بدليل يقول به القيَّاس.

.[بعض شروط العلة وحكم الأصل]

ومن شرط العلة أن تطرد في معلولاتها، ولا تنتقض لفظاً ولا معنى، فمتى انتقضت لفظاً بأن صدقت الأوصاف المعبر بها عنها في صورة بدون الحكم.

أو معنى بأن وجد المعنى المعلل به في صورة بدون الحكم، فسد القياس.

الأول كأن يقال في القتل بمثقل أنه قتل عمد عدوان، فيجب به القصاص، كالقتل بالمحدد، فينتقض ذلك بقتل الوالد ولده فإنه لا يجب به قصاص.

والثاني كأن يقال تجب الزكاة في المواشي لدفع حاجة الفقير، فيقال ينتقض ذلك بوجوده في الجواهر ولا زكاة فيها.

ومن شرط الحكم أن يكون مثل العلة في النفي والإثبات أي تابعاً لها في ذلك إن وجدت وجد وإن انتفت انتفى.

والعلة هي الجالبة للحكم بمناسبتها له.

والحكم هو المجلوب للعلة لما ذكر.

.[الأصل في الأشياء]

وأما الحظر والإباحة، فمن الناس من يقول إن الأشياء بعد البعثة على الحظر، أي على صفة هي الحظر، إلا ما أباحته الشريعة، فإن لم يوجد في الشريعة ما يدل على الإباحة، يتمسك بالأصل وهو الحظر.

ومن الناس من يقول بضده، وهو أن الأصل في الأشياء بعد البعثة أنها على الإباحة، إلا ما حظره الشرع.

والصحيح التفصيل، وهو أن المضار على التحريم، والمنافع على الحل.

أما قبل البعثة فلا حكم يتعلق بأحد، لانتفاء الرسول الموصل إليه.

.[الاستصحاب]

ومعنى استصحاب الحال الذي يحتج به كما سيأتي.

أن يستصحب الأصل أي العدم الأصلي عند عدم الدليل الشرعي، بأن لم يجده المجتهد بعد البحث عنه بقدر الطاقة كأن لم يجد دليلاً على وجوب صوم رجب فيقول لا يجب باستصحاب الحال أي العدم الأصلي وهو حجة جزماً.

أما الاستصحاب المشهور، الذي هو ثبوت أمر في الزمن الثاني لثبوته في الأو فحجة عندنا دون الحنفية فلا زكاة عندنا في عشرين ديناراً ناقصة تروج رواج الكاملة بالاستصحاب.

.[ترتيب الأدلة والترجيح بينها]

وأما الأدلة فيقدم الجلي منها على الخفي، وذلك كالظاهر والمؤول فيقدم اللفظ في معناه الحقيقي على معناه المجازي والموجب للعلم على الموجب للظن، وذلك كالمتواتر والآحاد فيقدم الأول إلا أن يكون عاماً فيخص بالثاني كما تقدم من تخصيص الكتاب بالسنة.

والنطق من كتاب أو سنة على القياس إلا أن يكون النطق عاماً، فيخص بالقياس كما تقدم.

والقياس الجلي على الخفي، وذلك كقياس العلة على قياس الشبه، فإن وجد في النطق من كتاب أو سنة ما يغير الأصل، أي العدم الأصلي الذي يعبر عن استصحابه باستصحاب الحال فواضح أنه يعمل بالنطق.

وإلا أي وإن لم يوجد ذلك، فيستصحب الحال، أي العدم الأصلي أي يعمل به.

.[شروط المفتي أو المجتهد]

ومن شرط المفتي وهو المجتهد أن يكون عالماً بالفقه أصلاً وفرعاً خلافاً ومذهباً، أي بمسائل الفقه، وقواعده وفروعه، وبما فيها من الخلاف، ليذهب إلى قول منه ولا يخالفه، بأن يحدث قولاً آخر، لاستلزام اتفاق من قبله بعدم ذهابهم إليه على نفيه.

وأن يكون كامل الآلة في الاجتهاد عارفاً بما يحتاج إليه في استنباط الأحكام من النحو واللغة ومعرفة الرجال الراوين للأخبار ليأخذ برواية المقبول منهم دون المجروح.

وتفسير الآيات الواردة في الأحكام والأخبار الواردة فيها ليوافق ذلك في اجتهاده ولا يخالفه 

وما ذكره من قوله عارفاً إلى آخره من جملة آلة الاجتهاد.

ومنها معرفته بقواعد الأصول وغير ذلك.

.[شروط المستفتي]

ومن شرط المستفتي أن يكون من أهل التقليد 

.[فيقلد المفتي في الفتيا].

فإن لم يكن الشخص من أهل التقليد بأن كان من أهل الاجتهاد فليس له أن يستفتي كما قال وليس للعالم أي المجتهد أن يقلد لتمكنه من الاجتهاد.

.[تعريف التقليد]

والتقليد قبول قول القائل بلا حجة يذكرها.

فعلى هذا قبول قول النبي – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فيما يذكره من الأحكام يسمى تقليداً.

ومنهم من قال: التقليد قبول قول القائل وأنت لا تدري من أين قاله، أي لا تعلم مأخذه في ذلك.

فإن قلنا إن النبي – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كان يقول بالقياس، بأن يجتهد فيجوز أن يسمى قبول قوله تقليداً، لاحتمال أن يكون عن اجتهاد.

وإن قلنا إنه لا يجتهد وإنما يقول عن وحي {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} فلا يسمى قبول قوله تقليداً، لاستناده إلى الوحي.

.[الاجتهاد]

.[تعريف الاجتهاد ومسألة تصويب المجتهد]

وأما الاجتهاد فهو بذل الوسع في بلوغ الغرض المقصود من العلم ليحصل له.

والمجتهد إن كان كامل الآلة في الاجتهاد كما تقدم فإن اجتهد في الفروع وأصاب فله أجران على اجتهاده وإصابته.

وإن اجتهد فيها وأخطأ فله أجر واحد على اجتهاده وسيأتي دليل ذلك.

ومنهم من قال كل مجتهد في الفروع مصيب بناءاً على أن حكم الله تعالى في حقه وحق مقلده 

ما أدى إليه اجتهاده.

.[الاجتهاد في أصول الدين]

ولا يجوز أن يقال كل مجتهد في الأصول الكلامية أي العقائد مصيب، لأن ذلك يؤدي إلى تصويب أهل الضلالة من النصارى في قولهم بالتثليث والمجوس في قولهم بالأصلين للعالم النور والظلمة والكفار في نفيهم التوحيد وبعثة الرسل والمعاد في الآخرة والملحدين في نفيهم صفاته تعالى كالكلام وخلقه أفعال العباد وكونه مرئياً في الآخرة وغير ذلك.

ودليل من قال ليس كل مجتهد في الفروع مصيباً قوله – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من اجتهد وأصاب فله أجران ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد» وجه الدليل أن النبي – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – خطَّأ المجتهد تارة وصوبه أخرى.

والحديث رواه الشيخان ولفظ البخاري: «إذا اجتهد الحاكم فحكم فأصاب فله أجران وإذا حكم فأخطأ فله أجر».

تم الكتاب والحمد لله وحده وصلى الله على من لا نبي بعده اللهم اغفر لنا وللمسلمين وكان الفراغ من كتابة هذه النسخة المباركة يوم الاثنين المبارك تاسع شهر صفر الحرام من شهور سنة ألف ومئة وعشرين من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.

0 comments on “كتاب: شرح الورقات في أصول الفقه

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.